ترتيل القرآن الكريم هو وضع الآيات في سياق واحد مع التدبر، أمرٌ قد يصعب على بعض الناس.. انظر كيف يتم ترتيب الأحداث، حدثٌ وراء حدث.. مما يسهل علينا الحفظ.. و لهذا نزل القرآن منجماً.. يعني على شكل آيات.. و بين كل آية و آية نجمة. انظر إلى الجدول التالي لقصة موسى u .. ثم اقرأ الآيات.. و بعد أن تربطها بالأحداث تجد نفسك حفظت الآيات و بسهولة غير متوقعة.
القصة | الموقع | الترتيل | الموقع في المصحف | عدد الآيات |
الولادة و الهجرة لمدين و الزواج و اللقاء الأول | القصص: 1 – 48 | 1 | 10 | 47 |
اللقاء الأول | النمل: 7 – 14 | 2 | 9 | 7 |
اللفاء الأول ثم اللقاء مع السحرة ثم اللقاء الثاني مع الله و قصة السامري | طه: 9 – 98 | 3 | 7 | 81 |
اللقاء الأول ثم لقاء فرعون و السحرة ثم انشقاق البحر | الشعراء: 10 – 67 | 4 | 8 | 57 |
ردة الفعل بعد التحدي | النازعات: 15 – 25 | 5 | 14 | 10 |
محاولة قتل موسى | غافر: 23 – 46 | 6 | 12 | 33 |
الآيتان، ثم الآيات، ثم الخروج و التجلي | الأعراف: 103 – 162 | 7 | 4 | 59 |
مقارنة الآيات | الزخرف: 46 – 56 | 8 | 13 | 10 |
حتحور | البقرة: 67 – 74 | 9 | 1 | 7 |
قارون | القصص: 76 – 83 | 10 | 11 | 7 |
الخضر | الكهف: 60 – 82 | 11 | 6 | 22 |
الاستعداد للخروج و غرق فرعون | يونس: 75 – 93 | 12 | 5 | 18 |
دخول التيه | المائدة: 20 – 26 | 13 | 3 | 6 |
المجموع | 364 |
بداية قصة موسى u
الخَطِيرُ فِي الأَمْرِ أَنَّ اليَهُودَ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا حُلَفَاءُ الهِكْسُوسْ أَعْدَاءُ الفَرَاعِنَةِ.. و كَوْنَ الهِكْسُوسْ هَرَبُوا لِبِلادِهِمْ دُوَنَ أَنْ يَتَمَكّنَ الفَرَاعِنَةُ مِنْ اِسْتِعْبَادِهِمْ و الاِنْتِقَامِ مِنْهُمْ و التَّنْكِيلُ بِهِمْ و التَّشَفِّي مِنْهُمْ.. فَقَدْ صَبَّ الفَرَاعِنَةُ جَامَ غَضَبِهِمْ عَلَى بِنِّي إِسْرَائِيلِ و نَكَّلُوا بِهِمْ و اسْتَعْبَدُوهُمْ.. و قَتَلُوا كُلَّ طِفْلٍ يُولَدُ لَهُمْ مُسْتَنِدَيْنِ فِي ذَلِكَ عَلَى نُبُوءَةٍ.. و هي أقرب ما تكون نبوءة سيدنا يوسف u.. تَقُولُ بِأَنْ أَحَدَ مَوَالِيدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَيَقْتُلُ الفِرْعَوْنَ.. و بَعْدَهَا كَانَ مَا نَعْرِفُهُ مِنْ قِصَّةٍ مُوسَى u مَعَ فِرْعَوْنٍ ثُمَّ هَرَوبَ بَنِي إِسْرَائِيلُ مِنْ مِصْرَ مُتَّجِهَيْنِ صَوْبَ فِلَسْطِينَ حَيْثُ يُقِيمُ حُلَفَاءَهُمْ الهِكْسُوسْ…!!
لِذَا يَنْقَسِمُ تَاَرِيخُ بَنِي إِسْرَائِيلِ فِي مِصْرَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
· العَهْدُ الأَوَّلِ: فِي كَنَفِ الهِكْسُوسْ.. مُنْذُ دُخُولِ يُوسُفُ u إِلَى مِصْرَ ثُمَّ لَحَاقُ أَهْلِهِ بِهِ حَتَّى مَا قَبْلَ عَهْدِ مُوسَى u.. و قَدْ كَانُوا فِي هَذَا العَهْدِ فِي قِمَّةِ الطَّمَأْنِينَةِ و الْحَظْوَةِ.
· العَهْدُ الثَّانِي: فِي كَنَفِ الفَرَاعِنَةِ.. مِنْ هَزِيمَةِ الهِكْسُوسِ و خُرُوجُهُمْ مِنْ مِصْرَ حَتَّى عَهَدَ فِرْعَوْنَ الخُرُوجِ.. رمسيس الثاني.. الَّذِي تَمَّ فِي عَهْدَهُ ذُرْوَةُ الاِضْطِهَادِ لَبَنَيْ إِسْرَائِيلَ.. و هنا بحث الفراعنة عن من كان في صف الهكسوس.. و كانوا بنو إسرائيل.. و الذين تملكوا الكثيـر من الأراضي الزراعية في عهد يوسف u.. فما كان من الفراعنة إلا أن سحبوا ممتلكاتهم و عبدّوهم عندهم.. حتى أصبح كل فرعون يأخذ و يزيد في عذاب بني إسرائيل.. حتى انحرفوا عن التوحيد إلى عبادة الأصنام البقر و العجل (انظر سورة البقرة).. إلى أن جاء الفرعون رمسيس الثاني (فرعون موسى) و حكم على بني إسرائيل في قتل أولادهم (الذكور و الإناث من أجل الخلايا الجذعية) و يستخدم النساء في عمليات الاستنساخ و إنتاج الكائنات الحية المهجنة.. فأشار إليه مستشاروه أن قتل الذكور من الأطفال سوف يقضي على بني إسرائيل ثم لا تجد عبيد يخدمونك.. و من هنا فقط تبدأ قصة ميلاد رسول و نبي جديد.. رسالته تنطوي على {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الأعراف: 105 إخراج يني إسرائيل من العبودية تِجَاهَ فِلَسْطِينَ دَوْلَةِ الهكسوس، و الَّذِينَ يَذْكُرُهُمْ التَّارِيخُ آنَذَاكَ بِاسْمِ العَمَالِقَةِ الَّذِينَ سَكَنُوا فِي العِرَاقِ و مِصْرَ، و يُرِيدُ المُؤَرِّخُونَ بِالعَمَالِقَةِ قُدَمَاءُ العَرَبَ، و خُصُوصًا شَمَالِ الحِجَازِ مِمَّا يَلِي جَزِيرَةُ سَيْنَاءَ الَّذِينَ فَتَحُوا مِصْرَ بِاسْمِ “الشاسور البَدْو أَو الرُّعَاةُ” و يُسَمِّيهُمْ اليُونَانُ “هِكْسُوسْ”.. و أَصِلُ لَفْظَ العَمَالِيقِ أَو “العَمَالِقَةِ” مَجْهُولٌ و الغَالِبُ: أَنَّهُمْ نَحَتُوهُ مِنْ اِسْمِ قَبِيلَةٍ عَرَبِيَّةٍ كَانَتْ مَوَاطِنُهَا بِجِهَاتِ العَقَبَةِ أَو شَمَالُهَا.. حَيْثُ كَانَ العَمَالِيقُ عَلَى قَوْلِ التَّوْرَاةِ، و يُسَمِّيهَا البَابِلِيُّونَ “مَا” لِيقَ أَو “عَمَّ مالوق” فَقَالَ العَرَبُ: “عَمَالِيقُ” أَو “عَمَالِقَةٌ” ثُمَّ أَطْلَقُوهُ عَلَى طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ العَرَبِ القُدَمَاءِ.
أَطْوَلُ قِصَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ قِصَّةُ مُوسَى u.. و تُمَثِّلُ حَوَالَيْ رُبْعُ القُرْآنِ، لأَنَّ هُنَاكَ العَدِيدُ مِنْ السُّورِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِالتَّفْصِيلِ مِثْلُ سُورَةِ القِصَصِ و طَهَ و الشُّعَرَاءِ و الأَعْرَافِ، و تُمَثِّلُ ثَلاثَة أَرْبَاعِ سُورَةِ البَقَرَةِ، و بِالتَالِي فَهَذِهِ فُرْصَةٌ أَنْ نَفْهَمَ رُبْعَ القُرْآنِ.. فَهَذِهِ القِصَّةُ فِي القُرْآنِ قَدْ ذُكِرَتْ فِي (٥٠) سُورَةٍ مِنْ (١١٤) سُورَةٍ، كَمَا ذُكِرَ مُوسَى u فِي القُرْآنِ (١٣٦) مَرَّةً، فقِصَّةُ مُوسَى u أَرْبَعُ مَرَاحِلٍ حَدَثَتْ فِي أَرْبَعِ دُوَلٍ مِنْ دُوَلِ هَذَا العَصْرِ: مِصْرُ، الأُرْدُنُّ، السَّعُودِيَّةُ و فِلَسْطِينُ.. و حَدَثَتْ سَنَةَ ١٢٠٠ ق.م.، لِذَلِكَ فَبَيْنِنَا و بَيْنَهَا ٣٢٠٠ سَنَةً، و كَانَ العَالَمُ يَخْتَلِفُ تَمَامًا عَمَّا نَحَيَا فِيهِ الآنَ، فَكَانَتْ مِصْرُ هِيَ مَرْكَزُ العَالَمِ و مَرْكَزٌ لِلحَضَارَةِ و الثَّقَافَةِ و القُوَّةِ و الثَّرْوَةِ، و كَانَ بِهَا عُلَمَاءُ مِنْ طِرَازٍ نَادِرٍ لَمْ تُكْتَشَفْ عُلُومُهُمْ إِلَى الآنَ، كَعِلْمِ التَّحْنِيطِ و الكِيمِيَاءِ، و عَلِمَ فَنُّ الرَّسْمِ عَلَى المَعَابِدِ و الحَوَائِطِ، عِلْمُ المِعْمَارِ و الأَهْرَامَاتِ.
لاحَظَ أَنَّ الأَهْرَامَاتِ بُنِيَتْ مُنْذُ آلافِ السِّنِينَ، فَقَدْ بناها قوم عاد و ثمود و تم تشغيلها فِي عَهْدِ خُوفُو و خَفْرَعَ، و كَانتِ مِصْرُ مُقَسَّمَةً إِلَى أُسَرْ.. و قَدْ فُعِلّت الأَهْرَامَاتُ فِي الأُسْرَةِ الثَّالِثَةِ، و الأُسَرُ القَدِيمَةُ ثَلاثُونَ أُسْرَةً، مِنْ أَوَّلِ أُسْرَةِ مِينَا مُوَحِّدِ القُطْرَيْنِ حَتَّى جَاءَ الغَزْو الفَارِسِيُّ و الإسكندرُ الأَكْبَرُ و انْتَهَتْ مِصْرُ القَدِيمَةُ و حَضَارَةُ الفَرَاعِنَةِ، خُوفُو و خَفْرَعُ و منْقَرَعْ الَّذِينَ خدمتهم الأَهْرَامَاتِ كَانُوا مِنْ الأُسْرَةِ الرَّابِعَةِ، الهكسوس كَانُوا فِي الأُسْرَةِ ١٤ و ١٥ و ١٦ و هَذَا هُو الوَقْتُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ u مِصْرَ، فَكُلُّ الأُسَرِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْهَا فِرْعَوْنُ مُوسَى، لِذَلِكَ أَتَى مُوسَى u فِي الأُسْرَةِ ١٩.. و حُكّامُها رَمْسِيسُ الأَوَّلِ (الراعي المُسيّس) الَّذِي حَكَمَ لِمُدَّةِ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ سِيتِيُ الأَوَّلِ الَّذِي حَكَمَ لِمُدَّةِ عَشْرَ سَنَوَاتٍ، و لَكِنَّ قِصَّةَ مُوسَى u خَمْسَةٌ و خَمْسُونَ سَنَةً، الفِرْعَوْنُ الوَحِيدُ الَّذِي حَكَمَ لِمُدَّةِ ٦٧ سَنَةً كَامِلَةً هُو رَمْسِيسُ الثَّانِي، و هُو الوَحِيدُ الَّذِي اِدَّعَى الألوهية بِشَكْلٍ واضِحٍ {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} النازعات: 24، و اِدَّعَى أَنَّ الإِلَهَ رَعْ تَمَثّلَ فِي أَبِيهِ و أَصْبَحَ هُو الإِلَهُ رَعْ و كَتَبَ هَذَا عَلَى المَعَابِدِ.
لَقَدْ بَدَأَ رَمْسِيسُ الثَّانِي حُكْمَهُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ، و قَامَ بِمَعْرَكَةِ قادش الَّتِي انْتَصَرَ فِيهَا، و وَسّعَ مَمْلَكَةِ مِصْرَ بِقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ.. لَكِنَّهُ تَغَيّرَ بَعْدَ ذَلِكَ و ظَلَمَ و جَحْدَ و قَتْلَ و سَجْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي سِجْنٍ كَبِيرٍ، فَإِبْرَاهِيمُ و يَعْقُوبُ و يُوسُفُ عليهم السلام كَانَ لَهُمْ حُرِّيَّةَ التَّحَرُّكِ و التَّنَقُلِ.. و فِرْعَوْنُ لَيْسَ وحده في هَذَا، بل مَعَهُ الكَهَنَةَ كَمُؤَسَّسَةٍ دِينِيَّةٍ، و مَعَهُ السَّحَرَةَ كَمُؤَسَّسَةٍ إِعْلامِيَّةٍ، و مَعَهُ هَامَانْ الَّذِي يُمَثِّلُ القُوَّةَ التَّنْفِيذِيَّةَ، و مَعَهُ القُوَّةَ العَسْكَرِيَّةَ المُتَمَثِّلَةُ فِي جُنُودِهِ، و مُوسَى u سَيُوَاجِهُ كُلَّ ذَلِكَ.. كَذَلِكَ تَعَدَّدَتْ أَشْكَالُ الآلِهَةِ الَّتِي كَانَ يَعْبُدَهَا المِصْرِيُّونَ فِي هَذَا الوَقْتِ، فَمِصْرُ مِنْ جَنُوبِهَا إِلَى شَمَالِهَا كَانَتْ مَلِيئَةً بِكَمٍ كَبِيـرٍ مِنْ الآلِهَةِ، و رَغْمَ كُلٍّ ذَلِكَ و وَسْطَ كُلَّ هَذِهِ الأَجْوَاءِ سَيَدْعُو مُوسَى u النَّاسَ لِقَوْلِ “لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ”.. و لَقَدْ كَانَ مِنْ بَيْنَ هَذِهِ الآلِهَةِ المُقَدَّسَةِ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ الحَيَّاتِ و الثَّعَابِينَ.. و الَّتِي سَيَأْتِي دَوْرَهَا فِي مَرْحَلَةِ النُبّوَةِ.
إِذَاً بَعْدَ أَنْ عَادَتْ الحُكُومَةُ إِلَى الفَرَاعِنَةِ الأَصْلِيِّينَ.. صَارَ هُنَاكَ نَوْعَانِ مِنْ النَّاسِ: نَوْعٌ غَنِيٌّ و نَوْعٌ فَقِيرٌ، و النَّوْعُ الفَقِيرُ كَانَ يُسَمّى بَنُو إِسْرَائِيلَ و هُمْ أَحْفَادُ يَعْقُوبَ u.. الَّذَيْنِ اِسْتَعْبَدَهُمْ الفَرَاعِنَةُ.. و كانوا مَحْرُومِينَ مِنْ كُلِّ الحُقُوقِ و كَانُوا يُسَمَّونَ بِالعَبِيدِ عَلَى الرَغْمِ مِنْ كَوْنِهُمْ أَحْرَارٌ و لَيْسُوا عَبِيدًا.. و كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَعِيشُونَ فِي أَكْوَاخٍ بَائسَةٍ عَلَى ضِفَافِ النَّيْلِ، و كَانتِ عَاصِمَةُ مِصْرَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مَدِينَةٌ تُسَمِّي رَعْمَسِيسْ.. و كَانَتْ عَاصِمَةُ العَالَمِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ بَرْ رَعْ تَعْنِي: بَيْتُ الإِلَهِ رَعْ المُتَمَثُّلَ فِي رَمْسِيسَ، و مَكَانُ هَذِهِ المَدِينَةِ اليَوْمَ فِي الزّقازيق بِمُحَافَظَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِمِصْرَ، و كَانَ قَصْرُ فِرْعَوْنَ وسْطَ أَشْجَارٍ تُطِلُّ عَلَى النَّيْلِ، و كَانتِ هَذِهِ الأَشْجَارِ تُطِلُّ عَلَى مَدِينَةِ بِرْ رَعْ.
و حَدَثَ لَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِ الفَرَاعِنَةِ سِتَّةُ أَشْيَاءٍ:
أَولاً: حَوَّلُوهُمْ كُلُّهُمْ مِنْ أَحْرَارٍ إِلَى عَبِيدٍ، و لِهَذَا قَالَ فِرْعَوْنُ {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا و قَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} المؤمنون:47، أَيّ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَدَيْنَّا.
ثَانِيًا: طُرِدُوا مِنْ أَرْضِ جاسان الَّتِي سَكَنُوا بِهَا عِنْدَمَا دَخَلُوا مِصْرَ و صُدِرَتْ مُمْتَلَكَاتُهُمْ و تَحَوَّلُوا مِنْ أَغْنِيَاءَ إِلَى فُقَرَاءَ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا.
ثَالِثًا: طُرِدُوا مِنْ أَحْيَائِهِمْ و بُنِيَتْ لَهُمْ بُيُوتٌ طِينِيَّةٌ و أَكْوَاخٌ ضَعِيفَةٌ عَلَى النَّيْلِ و تَحَوَّلُوا إِلَى أَحْيَاءٍ فَقِيرَةٍ جِدًّا بَعْدَمَا كَانُوا يَسْكِنُونَ إِلَى جَانِبِ مُلُوكِ الهِكْسُوسْ.
رَابِعًا: فَرَّقُوهُمْ فَلَمْ يَعُودُوا يَسْكِنُونَ إِلَى جَانِبِ بَعْضِهُمْ البَعْضْ فَأَصْبَحَ بَعْضَهُمْ فِي حَيٍّ شَمَالَ النَّيْلِ و البَعْضُ الآخَرُ جَنُوبَ النَّيْلِ حَتَّى لا يَصْبِحُونَ مَعًا قُوَّةً أَو وحْدَةً.
خَامِسًا: حَرَمُوهُمْ مِنْ التَّعْلِيمِ لِكَيْ يَظَلُّوا عَلَى جَهْلِهِمْ.
سَادِسًا: أَجْبَرُوهُمْ عَلَى العَمَلِ الشَّاقِّ لَيْلَ نَهَارَ بِلا أَجْرٍ.
تَبْدَأُ شَجَرَةُ العَائِلَةِ بِإبرَاهِيمُ u ثُمَّ إِسْحَاقُ u ثُمَّ يَعْقُوبُ u و هُو الجَدُّ الأَكْبَرُ لِمُوسَى u، و تَحْتَ يَعْقُوبُ uسَتَجِدُ الاِثْنِيَّ عَشْرٌ أَخًا مع يُوسُفَ u، و مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ أَخٍ يُسَمَّى “لآوِيَ“ مِنْ نَسْلِهِ “عازر“ فَـ “قاهث“، يَنْحَدِرُ بَعْدَ ذَلِكَ بزمن عُمْرَانِ و أَخِيـرًا الأُخْوَةِ الثَّلاثَةِ: مَرْيَمُ و هَارُونُ و مُوسَى عليهما السلام، و بِالمُنَاسَبَةِ بِيَن مُوسَى u و يُوسُفُ u أَرْبَعَمِائَةِ عَامٍ، فَيُوسُفُ u هُو أَخُو جَدِّهِ (عَمَّهُ).
****
{وَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ و لَا تَخَافِي و لَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ و جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا و حَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ و هَامَانَ و جُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) و قَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي و لَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ ولَدًا و هُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) و أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) و قَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ و هُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) و حَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ و هُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا و لَا تَحْزَنَ و لِتَعْلَمَ أَنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ و لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} القصص: 7 – 13 |
مُوسَى.. كَلِمَةٌ مِنْ لُغَةِ الْفَرَاعِنَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ مَنْحُوتَةٌ مِنْ جَذْرٍ فِي تِلْكً اللُّغَةَ هُو م / س / ى بِمعَنى ولَدٍ / يَلِدُ / ولاَدَةٌ، و مُوسى اِسْمٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ فَهُو ولَدٌ أَو “ولِيدٌ”، فَقَالَ الْحَقُّ I {وَ قَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي و لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ ولَدًا و هُمْ لا يَشْعُرُونَ } الْقَصَصُ: 9، فَسَمَّى مُوسى بِالدَّلالَةِ « ولدَ «، و فِي قَوْلِه تعَالَى {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا ولِيدًا و لَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } الشُّعرَاءُ: 18، ذُكِرَ عَلَى لِسَانِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِكَلِمَةِ مُوسَى بِقَوْلِهِ “ولِيدًا“. و أيضاً الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يَصِفُ مُوسَى عَلَى لِسَان أَخَاهُ هارُون بِقَوْلِهِ تعَالَى {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي و لا بِرَأْسِيٍ إِنَّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنً بَنِي إِسْرَائِيلَ و لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} طه: 94، و حيثُ إَنَّه فِي الْمِصْرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ كَلِمَةً ابنؤم تَعَنِي “الْوَلِيدُ“، و بِهَذَا نَخْلُصُ أَنَّ معَنى كَلِمَةُ مُوسى مِنَ الْمِصْرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ لا الْعِبْرَانِيَّةَ هِي الْوَلِيدُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وِلاَدَةُ مُوسَى؛ تحمل أم موسى بموسى و تلده و هي خائفةٌ عليه.. فسوف يكون القتل مصيره.. و هنا تكون العناية الإلهية حيث كانت ساعة الصفر.. فَفِي كُوخٍ مِنْ الأَكْوَاخِ الفَقِيرَةِ البَائسَةِ فِي حَيّ بَنِي إِسْرَائِيلِ كَانَتْ هُنَاكَ عَائِلَةً مُكَوَّنَةً مِنْ أُمٍ حَامِلٍ فِي شَهْرِهَا الرَّابِعِ اسمها يوكابد و زَوْجَهَا عُمْرَانِ، و لَدَيْهَا ولَدٌ و بِنْتٌ، البِنْتُ الكُبْرَى شَابَّةٌ فِي العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا اسمها مَرْيَمُ أَيْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانُ (و هِيَ أُخْتُ هَارُونَ و كَانتِ هَذِهِ الأَسْمَاءِ تَتَدَاوَلُ و تَكْثُـرْ فِي بَنِي إسرائيل كَمَا سُمِّيَتْ مَرْيَمُ أُمْ عِيسَى عليها السلام)، و الاِبْنُ الصَّغِيرُ يُسَمّى هَارُونُ، و أَصْدَرَ فِرْعَوْنُ بَعْدَ رُؤْيَا فَسَّرَهَا لَهُ المفسّرِون أَنَّهُ سَيَأْتِي مَوْلُودٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ و يَنْقُضَ مُلْكَكَ.. يَقْضِي بِقَتْلِ كُلِّ المَوَالِيدِ الذُّكُورِ.. فَعَاشَ النَّاسُ و الأُمَّهَاتُ خَاصَّةً فِي رُعْبٍ.. فِي ظِلِّ هَذِهِ الجَرِيمَةِ الوَحْشِيَّةِ.. و التي تقضي باستغلال مواليد بني إسرائيل في تجارب التخليق.. و استغلال أرحام نساء بني إسرائيل (حاضنات) معامل لإنتاج الحيوانات المخلقة و الهجينة بين الإنسان و الحيوان.
“يوكابد” هِيَ أَمٌ مُؤْمِنَةٌ مُخْلِصَةٌ قَوِيَّةٌ، و اسَمُهَا “يوكابد” فِي اللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ القَدِيمَةِ مَعْنَاهُ العَزِيزَةُ أَو الكِرَيْمَةُ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، و يَبْدُو أَنَّ مَنْ اِسْمَاهَا بِذَلِكَ شَعْرَ بِالأَزْمَةِ الَّتِي يَعِيشُهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ ذُلٍّ، أَمَّا الأَبُ فاسمه “عِمْرَانُ” وجدهُ (البعيد) يَعْقُوبُ u، هَؤُلاءِ هُمْ عَائِلَةُ مُوسَى… المَوْلُودُ الجَدِيدُ.
يَأْتِي اليَوْمُ، يَوْمُ مُوَلِدِ مُوسَى.. و لَكَمْ تَمَنَّتْ أُمُّهُ أَنْ يَكُونَ بِنْتًا حَتَّى لا يُذْبَحَ، و لَكِنْ لَدَيْهَا نُبُوءَةٍ يُوسُفَ u أَنَّهُ سَيُولَدُ ولَداً مِنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَهْزِمُ الظُلْمَ و يُظْهِرُ العَدْلَ.. و لَكَمْ تَمَنَّتْ أَنْ يَكُونَ اِبْنُهَا، و تَمَّتْ الوِلادَةُ و جَاءَ ولَدٌ ذكَرٌ أَسْمَرٌ جَمِيلٌ.. أَعْطَاهُ اللهُ خَاصِيَّةً عَجِيبَةً فَإِنْ رَأَيْتُهُ أَحْبَبْتُهُ، يَقُولُ تَعَالَى {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُو لِي و عَدُو لَهُ و أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي و لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} طه: 39، فَمِثْلَمَا يُلْقِي أَحَدُهُمْ عَبَاءَتَهُ عَلَى أَحَدٍ آخَرَ، أَلْقَى اللهَ عَلَى مُوسَى مَحَبَّةً مِنْ عِنْدِهِ، و وُلِدَ مُوسَى و كَانتِ المُفَاجَأَةِ.. فَقَدْ يَرَاهُ أَحَدٌ.. {وَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ و لا تَخَافِي و لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ و جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} القصص: 7، و فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَجِدُ أَنَّ بِهَا أَمْرَيْنِ و نَهْيَيْنِ و خَبَـرَيْنِ و بِشَارَتَيْنِ فِي سَطْرٍ واحد، فَالأَمْرَيْنِ هُمَا: أَرْضِعِيهِ و أَرْمِيهِ، و النَهْيَيْنِ هُمَا: لا تَخَافِي و لا تَحْزَنِي، و الخَبَرَيْنِ و البِشَارَتَيْنِ هُمَا: إنا رَادّوه إِلَيْكَ، و جَاعِلُوهُ مِنْ المُرْسَلِينَ.
و أُوْحِي إِلَى أُمِّ مُوسَى و هِيَ لَيْسَتْ نَبِيّةً.. و إِنَّمَا اِمْرَأَةٌ بَسِيطَةٌ مُؤْمِنَةٌ مُتَوكِلَةٌ عَلَى اللهِ.. فَصِفَةُ التَّوَكُّلِ هِيَ مِنْ أَجْمَلَ و أَقْوَى الصِّفَاتُ الَّتِي تَتَحَلَّى بِهَا، فَالوَحْيُ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ:
1. وَحْيٌ يَأْتِي إِلَى المَلائِكَةِ {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ و اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الأنفال: 12.
2. وَحْيٌ يَأْتِي إِلَى الأَنْبِيَاءِ {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ و النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ و أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ و إِسْمَاعِيلَ و إِسْحَاقَ و يَعْقُوبَ و الأَسْبَاطِ و عِيسَى و أَيُّوبَ و يُونُسَ و هَارُونَ و سُلَيْمَانَ و آتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} النساء: 163.
3. وَحْيٌ آخَرُ هُو عِبَارَةٌ عَنْ إِلْهَامٍ فِطْرِيٌّ يُقْذَفُ فِي قَلْبِكَ يَمْلأُ كُلُّ كِيَانِكَ، يُحْفَرُ فِي قَلْبِكَ و يُسَيْطِرُ عَلَيْكَ فَهُو مِنْ اللهِ لِنَجَاتِكَ أَو لِخَيْرٍ لَكَ، و هَذَا هُو النَّوْعُ الثَّالِثُ الَّذِي حَدَثَ لأُمِّ مُوسَى.. و الَّذِي قَالَ عَنْهِ {وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي و بِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا و اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} المائدة: 111، فَالحَوَارِيُّونَ لَيْسُوا أَنْبِيَاءَ، و لَكِنَّ اللهَ غَرَزَ الوَحْيَ فِي قُلُوبِهِمْ و سَيْطَرَ عَلَيْهَا بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى u، و يَقُولُ تَعَالَى أَيْضًا {وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا و مِنَ الشَّجَرِ و مِمَّا يَعْرِشُونَ} النحل: 68.
و قَدْ ورد الوَحْيِ لأُمِّ مُوسَى مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً ذُكِرَتْ فِي سُورَةِ القَصَصِ و مَرَّةً فِي سُورَة طَهَ بَعْدَمَا كَبُرَ مُوسَى، الفَرْقُ بَيْنَهِمَا، فَالأَوَّلُ قَدْ جَاءَهَا بِهُدُوءٍ و رَويّةٍ (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ… و لا تَخَافِي و لا تَحْزَنِي) ثُمَّ يَقُولُ فَأَرْضِعِيهِ و كَلِمَةُ أَرْضِعِيه بِهَا مَزِيدًا مِنْ الوَقْتِ.. و هِيَ كَلِمَةٌ جَمِيلَةٌ لَهَا العَدِيدُ مِنْ المَعَانِي الأُخْرَى.. فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى يَعْرِفُ مَذَاقَ لَبَنِ أُمِّهِ فَيَـرْفُضَ كُلَّ السَّيِّدَاتِ الأُخْرَيَاتِ و يَعُودُ لَهَا فَتُرَضِّعُهُ.. و لِكَيْ يَشُمَّهَا و يَشْعُرُ بِهَا، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لأُمِّ مُوسَى (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ و جَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ)، فَلَمْ يَكْتَفِ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا أَرْضِعِيه و أَرْمِيه لأَنَّ الأُمَّ غَالِيَةٌ جِدًّا عِنْدَ اللهِ، فَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يُطَمْئِنَهَا، و تَقِفُ أُمُّ مُوسَى قَلِقَةً، عَلَى الرَغْمِ مِنْ تَوَكُّلِهَا عَلَى اللهِ إِلاّ أَنَّهَا {وَ قَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ و هُمْ لا يَشْعُرُونَ} القصص:11، “قُصِّيهِ” أَيْ اِبْحَثِي عَنْ أَخِيكِ، “فَبَصِرْتِ بِهِ عَنْ جُنُب و هُمْ لا يَشْعُرُونَ” أَيْ كَانَتْ تُرَاقِبُهُ مِنْ بَعِيدٍ فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَقْتَـرِبَ مِنْهُ حَتَّى لا يَرَاهَا أَحَدٌ، و بَقِيَتْ تَمْشِي وسْطَ الأَحْرَاشِ تُرَاقِبُ الصُّنْدُوقَ و هِيَ مُنْدَهِشَةٌ و مُتَعَجِبَةٌ لأَنَّ الصُّنْدُوقَ يَمْشِي و كأن بِهِ دَفّتَينِ يُحَرِّكَانِهِ، فَاللّهُ قَدْ حَدَّدَ إِلَى أَيْنَ سَيَتَّجِهُ، و هُنَا يَظْهَرُ لَدَيْنَّا مَعْنَى اسْمُ اللهِ الوَكِيلَ.
تَسْتَمِرُّ أُخْتُهُ فِي مُتَابَعَةِ الصُّنْدُوقِ عَلَى الرَغْمِ مِنْ طُولِ المَسَافَةِ بَيْنَ بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ و قَصَرِ فِرْعَوْنَ حَوَالَيْ ١٤-٢٠ كِيلُو مَتْرًا، و يَقْتَـرِبُ الصُّنْدُوقُ مِنْ قَصْرِ فِرْعَوْنَ و تَفْزَعُ أُخْتُهُ لأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُبْعِدُوهُ عَنْ فِرْعَوْنَ.. و لَكِنَّهُ يَقْتَـرِبُ أَكْثَـرَ و أَكْثَـرَ مِنْهُ حَتَّى يَصِلُ إِلَى قَصْرِ فِرْعَوْنَ، فَتَعُودُ الأُخْتُ مُرْتَبِكَةً إِلَى أُمِّهَا و تَحْكِي لَهَا مَا حَدَثَ، {وَ أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} القصص: 10، فَقَدْ كَادَتْ أَمْ مُوسَى أَنْ تَذْهَبَ إِلَى القَصْرِ لِتُخْبِـرَهُمْ أَنَّهَا أُمُّهُ لَوْلا أَنَّ اللهَ رَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا.
لَمْ يَكُنْ فِي مِصْرَ حُرِّيَّةً فِي ذَلِكَ الوَقْتِ و لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مِصْرِيُّونَ أَحْرَارٌ، لِذَا فَالمَكَانَ الوَحِيدُ الَّذِي يُوجَدُ بِهِ حُرِّيَّةً هُو بَيْتُ فِرْعَوْنَ، و أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَحْرُومُونَ مِنْ التَّعْلِيمِ و مُوسَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّمًا تَعْلِيمًا جَيِّدًا لأَنْ لا نَهْضَةَ بِدُونِ تَعْلِيمٍ.. و أُمُّهُ لا تَقْدِرُ عَلَى تَحَمُّلِ تَكْلِفَةِ تَعْلِيمِهِ، لِذَا فَأَفْضَلُ مَكَانٍ يَتِمُّ تَعْلِيمُهُ فِيهِ تَعْلِيمًا رَاقِيًا هُو بَيْتُ فِرْعَوْنَ و هُو مَنْ سَيُنْفِقُ عَلَى تَعْلِيمِهِ.. حَتَّى يُزِيلَهُ مُوسَى فِي النِّهَايَةِ، {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا و حَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ و هَامَانَ و جُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} القصص:8، فَلَمْ يَلْتَقِطْهُ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ، و لَكِنَّ زَوْجَتَهُ هِيَ مَنْ اِلْتَقَطَتْهُ، و تَتَجَلَّى عَظْمَةُ الوَكِيلِ I أَنْ يَكُونَ تَوْقِيتُ خُرُوجِ آسِيَا اِمْرَأَةُ فِرْعَوْنٍ إِلَى النَّيْلِ هُو وقْتَ وصُولِ الصُنْدُوقِ فَتَـرَاهُ و تُخْرِجُهُ.. فَلَو كَانَ مَنْ أَخْرَجَهُ هُو أحد الجُنُودِ أَو فِرْعَوْنُ نَفْسِهِ لَتَمَّ قَتْلُهُ، و مَا أَنْ رَأَتْهُ اِمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ حَتَّى أَحْبَّتْهُ {… و أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي و لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} طه: 39.
هنا تظهر آسيا زوجة فرعون {وَ قَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي و لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ ولَدًا و هُمْ لا يَشْعُرُونَ} القصص: 9 و يكون جزاء هذه السيدة الجنة.. {وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ و نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ و عَمَلِهِ و نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} التحريم: 11.. و كما ترى كيف ينبُت الإيمان في بيت أكفر كافر على و جه الأرض آنذاك فرعون.. فقد زَوَّدَ الله الوليد بِسِلاحِ الحُبِّ، فَسِلاحُ الحُبِّ أَقْوَى مِنْ سِلاحِ القُوَّةِ، و رَضَخَ فِرْعَوْنُ لِرَغْبَةِ زَوْجَتِهِ آسِيَا.. و يُصْدِرُ فِرْعَوْنَ قَرَارًا بِعَدَمِ القَتْلِ و بِأَنَّهُ سَيَكُونُ اِبْنُهُ بِالتَّبَنِّي و سَوْفَ يُطْلِقُ عَلَيْهِ اِبْتِدَاءً مِنْ اليَوْمِ الأَمِيرُ مُوسَى.
كَانَ الرَّضِيعُ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ صَامِتًا لا يَبْكِي و لَعَلَّ هَذَا حَتَّى تَسْتَطِيعَ آسِيَا إِقْنَاعَهُمْ بِالاِحْتِفَاظِ بِهِ، و لَكِنْ بِمُجَرَّدِ أَنْ وافَقُوا و قَبِلُوهُ بَدَأَ فِي البُكَاءِ.. و تطلب آسيا المرضِعات لهذا الطفل الرضيع.. و لكنه يرفض كل المراضع.. حتى جاءت أُمه و هذه مِنّةٌ منّ الله عليه بها {يَأْخُذْهُ عَدُولِي و عَدُو لَهُ و أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي و لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} طه: 39.. فَهَا هُو هُنَا يَتْـرُكُ أُمَّهُ عِنْدَ الفَجْرِ لِيَعُودَ إِلَيْهَا قَبْلَ العَصْرِ مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا أَيْ قَبْلَ مُرُورِ ٢٤ سَاعَةً {وَ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ و هُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} القصص: 12، و فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ زَادَ مُوسَى مِنْ بُكَائِهِ كَأَنَّهُ يُسَاعِدُ أُخْتَهُ و يُسَهِّلُ مَوْقِفَهَا.. و آسِيَا تَصْرُخُ بِأَنَّ الوَلَدَ سَوْفَ يَمُوتُ مِنْ البُكَاءِ و أَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ مَرَاضِعَ بِسُرْعَةٍ {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا و لا تَحْزَنَ و لِتَعْلَمَ أَنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ و لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} القصص: 13.
و يتربى هذا الفتى العبـري في بيت الآلهة.. و يأخذ من المكانة أعظمها و من العلم أغزره و من اللغات الهيلغروفية الفرعونية و العبرية.. و يصل إلى أعلى درجات العلم.. و من ذلك حتى أنّه عزف عن الزواج.. و لم يكن يخرج من القصر إلاّ إلى أمه أو إلى السوق بموكِبه الرسمي {وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ و اسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا و عِلْمًا و كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} القصص: 14.. مِنْ هُنَا نَجِدُ أَنَّ حَيَاةَ مُوسَى تَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلٍ، مَرْحَلَتَاِن إِعْدَادٌ و مَرْحَلَتَانِ تَنْفِيذٌ:
1. مَرْحَلَةُ الإِعْدَادِ الأُولَى: مُنْذُ المُوْلِدِ و حَتَّى الثَّلاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ يَقْضِيهَا مَا بَيْنَ قَصَرِ فِرْعَوْنَ و بَيْنَ بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، و مَا بَيْنَ أُمُّهُ و بِيَن آسِيَا.
2. مَرْحَلَةُ الإِعْدَادِ الثَّانِيَةُ: عَشْرِ سَنَوَاتٍ يَقْضِيهَا فِي مَدْيَنَ حَتَّى يُصْبِحَ فِي الأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
3. مَرْحَلَةُ التَّنْفِيذِ الأُولَى: يَعُودُ إِلَى مِصْرَ لِمُوَاجَهَةِ فِرْعَوْنَ، و تَسْتَمِرُّ لِمُدَّةِ خَمْسَةَ عَشْرَ عَامًا.
4. مَرْحَلَةُ التَّنْفِيذِ الثَّانِيَةُ: يَخْرُجُ مِنْ مِصْرَ، و بِنَاءُ بَنِيْ إِسْرَائِيلُ و تَحْرِيرُهُمْ مِنْ الذُّلِّ الَّذِي قَضَى عَلَيْهُمْ، و تَسْتَمِرُّ لِمُدَّةِ عَشَرِ أَعْوَامٍ و حَتَّى الوَفَاةِ.
و هَذَا يَعْنِي أَنَّ مُوسَى u تُوُفِّيَ و هُو فِي سِنِّ الخَامِسَةِ و السَّتْينَ مِنْ عُمْرِهِ تَقْرِيبًا.
مَرْحَلَةُ الإِعْدَادِ الأُولَى
فِي مَرْحَلَةِ الإِعْدَادِ الأُولَى بَيْنَ قَصَرِ فِرْعَوْنَ و بَيْتُ أُمِّهِ فِي البُيُوتِ الفَقِيـرَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، بَيْنَ ذَلِكَ القَصْرُ الفَخْمُ، و تِلْكَ البُيُوتُ الفَقِيـرَةُ، ذَلِكَ لِيَنْشَأَ و لَدَيْهُ الثَّقَافَتَيْنِ.. ثَقَافَةُ المُلُوكِ و ثَقَافَةُ الفُقَرَاءِ.. حَتَّى يَتَمَكّنُ مِنْ التَّعَامُلِ مَعَ الفِئَتَيْنِ، لِذَلِكَ قَالَ اللهَ لَهُ {… و لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} طه: 39 أَيْ أَنَّهُ سَيَتِمُّ إِعْدَادَهُ عَلَى يَدِ اللهِ I، و يَتِمُّ تَأْهِيلُهُ بِالصِّفَاتِ التَّالِيَةِ:
الرَّحْمَةُ: أَصَرَّتْ أَمْ مُوسَى أَنْ تُرَبِّيَهُ فِي بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى ضِفَافِ النَّيْلِ، وسْطَ حَيَاتِهِمْ البَسِيطَةَ، و لَقَدْ حَاوَلَتْ مَعَهَا (آسِيَا) اِمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ كَثِيـرًا إِقْنَاعَهَا بِتَرْبِيَتِهِ فِي القَصْرِ، إِلاَّ أَنَّهَا لَمْ تَفْلَحْ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَتْ أَمْ مُوسَى عَلَى يَقِينٍ مِنْ اللهِ {… إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ و جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}القصص: 7، و وَافَقْتَ (آسِيَا) عَلَى أَنْ يَذْهَبَ (مُوسَى) مَعَ مُرْضِعَتِهِ الَّتِي رَفْضَ أَنْ يُرَضَّعْ مَنْ سِوَاهَا و ذَلِكَ خَوْفًا مَنْ أَنْ يَمُوتَ جَوْعاً، و عَاشَ مَعَهَا فَتْـرَةَ الرِّضَاعَةِ و الفِطَامِ.. أَيْ عَامَيْنِ بَيْنَ حَنَانِ أُمَّيْهِ، أُمُّهُ الحَقِيقِيَّةُ (يوكابد) و أُمُّهُ بِالتَّبَنِّي (آسِيَا)، هَذَا الحَنَانُ الَّذِي يَعِيشُهُ مُوسَى u هُو أُولَى صِفَاتِ القَائِدِ، حَيْثُ يُعِينُهُ عَلَى الوُقُوفِ لِلصِّعَابِ و فِي نَفْسِ الوَقْتِ يَكُونُ قَائِداً رَحِيماً، بَعْدَ أَنْ حُرِمَتْ أُمُّهُ مِنْهُ بِقَذْفِهِ فِي أَلِيمَ، و كَادَ قَلْبُهَا يَنْفَطِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا لِتَقَرَّ عَيْنُهَا بِهِ، فَمَا مِقْدَارُ الحُبِّ و الحَنَانِ اللّذِينَ َستُغْدِقُهُمَا عَلَيْهِ، و فِي نَفْسِ الوَقْتِ حُرِمَتْ (آسِيَا) مِنْ الأَوْلادِ فَمَا مِقْدَارُ الحُبِّ و العَطْفِ اللّذَيْنِ سَوْفَ يَنْعَمُ بِهِمَا مِنْهَما، إِنَّ صِفَةَ الرَّحْمَةِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا هِيَ مَا تُمَيَّزَ القَائِدُ الحَكِيمُ، فَالقَائِدُ بِدُونِ رَحْمَةٍ يُصْبِحُ جَبَّاراً.
التَّعْلِيمُ المُتَمَيِّـزُ: فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ سَيَتَعَلَّمُ عُلُوماً لا يَتَعَلَّمُهَا بَاقِي المِصْرِيِّينَ، فَمَا بالك بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، لَمْ تَكُنْ أُمُّهُ لِتَسْتَطِيعَ أَنْ تُوَفِّرَ لَهُ هَذَا القَدْرَ مِنْ التَّعْلِيمِ، و كَأنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَهُ فِي بَعْثَةٍ إِلَى أَحْسَنِ الجَامِعَاتِ لِلتَعَلُّمِ.
القُوَّةُ البَدَنِيَّةُ: مِنْ عَادَاتِ الفَرَاعِنَةِ تَرْبِيَةِ أَوْلادِهِمْ عَلَى التَّدْرِيبَاتِ البَدَنِيَّةِ القَوِيَّةِ.
النَّفْسُ الحُرَّةُ: تَعَلَّمَ فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ أَنْ يَكُونَ ذا نَفْسٍ حُرَّةٍ، و الَّتِي تُؤَهِّلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلتَّصَدِّي لِفِرْعَوْنَ نَفْسُهُ.. حَيَاتُهُ مَعَ فِرْعَوْنَ فِي نَفْسِ القَصَرِ.. فِي حَدِّ ذَاتِهَا أَفْقَدَتْهُ هَيْبَةَ فِرْعَوْنَ؛ فَقَدْ رَآهُ عَلَى طَبِيعَتِهِ، فَأَصْبَحَ بِالنِّسْبَةِ لِمُوسَى إِنْسَاناً عَادِياً لا يَهَابُهُ.
الشَّجَاعَةُ: تَعَوَّدَ مُوسَى أَنْ يَزُورَ مُرْضِعَتَهُ كَثِيـرًا، مِثْلَمَا كَانَ يَفْعَلُ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ مُرْضِعَتِهِ (حَلِيمَةُ السَّعْديّةُ)، فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ مِنْ عُمْرِهِ و الَّتِي بَدَأَتْ فِيهَا شَخْصِيَّتُهُ بِالتَّكَوُّنِ.. و صَارَ مِنْ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَسْأَلَ أَو يَسْمَعُ و يَعْقِلُ الكَلامَ الَّذِي يَسْمَعُهُ.. قَرَّرَتْ (آسِيَا) أَنْ تُخْبِـرَهُ الحَقِيقَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ اِبْنُهَا و أَنَّهَا قَدْ اِلْتَقَطَتْهُ مِنْ المَاءِ، لأَنْهَ حَتْمًا سَيَعْلَمُ ذَلِكَ، فَقَدْ شَاهَدَ حَادِثَةَ اِلْتِقَاطِهِ الكَثِيـرُ مِنْ النَّاسِ، ذَلِكَ بِالإِضَافَةِ إلى أَنَّ فِرْعَوْنَ لا يُحِبُّهُ.. فَكَانَ مِنْ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَسْأَلَهَا عَنْ أُمِّهَ مَنْ تَكَونْ؟ فَأَجَابَتْهُ بِأَنَهَا لا تَعْلَمُ، و فِي الوَقْتِ نَفْسُهِ لَمْ تَسْتَطِعْ أُمُّهُ (يوكابد) أَنْ تُخْبِـرَهُ بِحَقِيقَةِ أَنَّهَا هِيَ أُمَّهُ.. فَهُولا يَزَالُ صَغِيراً.. و خَشِيَتْ أَنْ يَكْثُـرَ كَلامُهُ مِثْلَ سَائِرَ الأَطْفَالِ، فَظَلَّ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهُ أُمًا.. و فِي هَذِهِ الفَتْـرَةِ بَدَأَتْ تَظْهَرُ لَدَيْهُ الشَّجَاعَةُ.. فَقَدْ أَصْبَحَ صَاحِبُ نَفْسٍ شُجَاعَةٍ تَتَحَمَّلُ الصَّدَمَاتِ، لَدَيْهُ الرَّحْمَةُ و فِي نَفْسِ الوَقْتِ الشَّجَاعَةِ و عِزَّةِ النَّفْسِ، مِمَّا أَدَّى إلَى أَنَّ تَكَوُنَ نَفْسُهُ نَفْساً سَوَيَّةً، هَذِهِ هِيَ صِنَاعَةُ اللهِ I.
القُدْوَةُ: سَمَحَتْ (آسِيَا) لـِ (مُوسَى) بِزِيَارَةِ مُرْضِعَتِهِ رَغْمَ صِغَرِ سِنِّهِ، و ظَلَّ مُوسَى يَتَـرَدَّدُ عَلَى مُرْضِعَتِهِ و يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا حَتَّى نَشَأَتْ عَلاقَةٌ قَوِيَّةٌ بَيْنَهُ و بَيْنَهَا، و بَيْنَهُ و بِيَن إِخْوَتِهِ هَارُونَ و مَرْيَمَ، و بَدَأَ يَشْعُرُ بِرَاحَةٍ فِي بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَـرَ مِنْ تِلْكَ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ، فَفِرْعَوْنَ يَكْرَهُهُ و لَوْلا (آسِيَا) لَمَّا ظَلَّ هُنَاكَ، أَرَادَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ لِيَنْشَأَ لَدَيْهُ حُبٌّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ.. و فِي نَفْسِ الوَقْتِ يَعْتَادُ عَلَى حَيَاتِهِمْ مُنْذُ صِغَرِهِ فَلا يَشْعُرُ بِغُرْبَةٍ بَيْنَهُمْ، بَلْ يَأنَسُ إِلَيْهُمْ.. فَرِحَتْ أُمُّهُ (يوكابد) كَثِيـرًا لَمَّا رَأَتْهُ يأنَسُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ و إِخْوَتِهِ و قَوْمِهِ حَتَّى و إِنْ كَانَ لا يَزَالُ لا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْهُمْ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَزِيدَ مِنْ هَذِهِ الصِّلَةِ، فَشَرعَتْ تَحْكِي لَهُ قِصَصٌ عَنْ يُوسُفُ u.. و هُنَا تَظْهَرُ لَدَيْهُ صِفَةُ القُدْوَةِ و المَثَلُ الأَعْلَى الَّذِي يَحْتَذِي بِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ هَذَا القَائِدَ العَظِيمَ الَّذِي أَصْبَحَ يُحِبَّهُ و يَرَاهُ مَثَلاً أَعْلَى هُو مِنْ أَجْدَادِهَا، فَازْدَادَ تَعَلّقُ مُوسَى بِمُرْضِعَتِهِ و بَنِي إِسْرَائِيلَ، و زَادَ اِنْتِمَائِهِ إِلَيْهُمْ.
المُرُونَةُ و التَّوَازُنُ: إلَى أَنْ أَتَى اليَوْمُ المُنَاسِبُ الَّذِي تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْتَمِنَهُ عَلَى السِّرِّ فَأَخْبَرَتْهُ بِأَنَّهَا هِيَ أُمُّهُ الحَقِيقِيةُ.. و أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهَا أَيُّ وسِيلَةٍ أُخْرَى لِتُنْجِيَهُ مِنْ مَوْتٍ مُحَقِّقٍ عَلَى يَدِ فِرْعَوْنَ سَفَّاحِ الأَطْفَالِ إِلاَّ بِقَذْفِهِ فِي النَّيْلِ.. و أَنَّ اللهَ قَذَفَ فِي قَلْبِهَا إِيمَانًا بِأَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَيْهَا.. و هَا هُو قَدْ عَادَ بِالفِعْلِ، و سَرَدَتْ لَهُ القِصَّةَ مِنْ بِدَايَتِهَا و حَتَّى نِهَايَتِهَا، و أَخْبَرْتُهُ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَعُوَدَ إِلَى قَصْرِ فِرْعَوْنَ حَتَّى لا تُقْتَلَ هِيَ أَو يُقْتَلُ هُو.. إِذَا عَلِمَ فِرْعَوْنُ بِحَقِيقَةِ أَمْرِهِمَا، لَمْ تَكُنْ أَمْ مُوسَى أُمًا عَادِيَّةً.. بَلْ كَانَتْ مُرَبِّيَةً ذَكِيَّةً، فَقَدْ غَرَسَتْ لَدَيْهِ صِفَةً جَدِيدَةً مِنْ صِفَاتِ القَائِدِ.. و هِيَ المُرُونَةُ و التَّوَازُنُ، فَأَصَرَّتْ أُمُّهُ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى ذَلِكَ القَصْرِ بِالرَغْمِ مِنْ كُلٍّ ذَلِكَ؛ فَهُو لا يَزَالُ بِحَاجَةٍ لِلمَزِيدِ مِنْ التَعْلِيمِ الَّذِي لا يَسْتَطِيع أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ إِلاَّ فِي ذَلِكَ القَصْرِ وحْدَهُ فَقَطْ، و هَذِهِ الفَتْرَة هِيَ الَّتِي أَصْقَلَتْ صِفَةُ المُرُونَةِ و التَّوَازُنِ لَدَيْهِ.
الشَّخْصِيَّةُ المُنْفَتِحَةُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، و يصبرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لا يخالط النَّاسَ، و لا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ” صحيح الأدب المفرد. تَعَلَّمَ مُوسَى u المُوَازَنَةَ بَيْنَ شَيْءٍ فِيهِ الَمفْسَدَةِ و المَصْلَحَةِ فِي نَفْسِ الوَقْتِ، و يُصِرُّ عَلَى الحُصُولِ عَلَى الفَائِدَةِ دُونَ أَنْ يَتَأَثَّرَ بالمَفْسَدَةِ.. لِذَا ظَلَّ مُوسَى u فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ لِيَسْتَفِيدَ مِنْ العِلْمِ المُتَاحِ لَدَيْهُ فِي القَصْرِ و يَحْتَكُّ أَكْثَـرُ بِالمِصْرِيِّينَ.. لَيَعْرِفُوهُ أَكْثَـرَ.. و تَوَاجُدُهُ فِي القَصْرِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ حَقِيقَتَهُ و أَصَلَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَّمَهُ الشَّخْصِيَّةَ المُنْفَتِحَةَ، فَقَدْ عَاشَ فِي البِيئَتَيْنِ رَغْمَ اِخْتِلافِهِما و اِخْتِلافِ ثَقَافَتِهِما، فَيَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ يَتَعَامَلَ مَعَ برتوكولات القَصَرِ و طَبِيعَةَ الحَيَاةِ المَلَكِيَّةِ و يَتَعَامَلُ مِثْلَ المُلُوكِ و الفَرَاعِنَةِ، و فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ يَسْتَطِيعُ التَّعَامُلُ مَعَ الحَيَاةِ البَسِيطَةِ لِبَنَيْ إِسْرَائِيلَ بِأَرْيَحِيَّةٍ بَالِغَةٍ عَلَى عَكْسِ طَبِيعَةِ المُلُوكِ العَادِيَّيْنِ.
الهَدَفُ و الرِّسَالَةُ: قَرَّرَ أَنْ يَكُونَ هَدَفُهُ إِنْقَاذُ بَنِيْ إِسْرَائِيلَ، فَالكَثِيرُ مِنَّا يَظُنُّ أَنَّ مُوسَى u حَرَّرَ بِنِّي إِسْرَائِيلَ لأَنَّ اللهَ كَلَّفَهُ بِهَذَا، و الحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّهُ اِخْتَارَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.. فَاخْتَبَرَهُ رَبُّهْ و وَجَدَهُ مُصِرًا عَلَى أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ بَعْدَ أَنْ أَحَسَّ مَدَى الذُّلِّ الَّذِي يَعِيشُونَهُ.. فَكَلَّفَهِ اللهُ بِذَلِكَ و أَيَّدَهُ.
الصُّحْبَةُ الصَّالِحَةُ: الَّتِي مِنْ دُونِهَا يَضِلُّ أَيَّ قَائِدٍ و أَيَّ شَخْصٍ نَاجِحٍ، و تَمَثَّلَتْ صُحْبَتُهُ الصَّالِحَةُ فِي أَخَاهُ هَارُونَ الَّذِي سَوْفَ يُسَانِدُهُ و يَقِفُ بِجَانِبِهِ و يَنْصَحُهُ إِلَى آخَرِ رِحْلَتِهِ.
يَقُولُ مُوسَى u إِنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ الأَمِيـرُ مُوسَى فَإِنَّهُ صَاحِبُ رِسَالَةِ رَفْعِ الظُلْمِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَلْ و أَصْبَحَتْ قَرَارَ حَيَاتِهِ، و لِذَلِكَ يُعْتَبَـرُ مُوسَى u نَصِيرُ المَظْلُومِينَ فِي تَارِيخِ الإنسانية و بَطَلُ الحُرِّيَّةِ، فَقَدْ قَالَ لا لِلظُّلْمِ، و لَكِنْ بِلا عُنْفٍ، بَلْ بِحِكْمَةٍ و عَقْلٍ.. فَقَدْ قَرَّرَ مُنْذُ هَذِهِ الفَتْـرَةِ أَنْ يَنْتَمِيَ و يَعِيشُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بَعْدُ بِرِسَالَةٍ مِنْ اللهِ، و لِذَلِكَ بَدَأَ بِجَمْعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَصْبَحَ لَهُ أَنْصَارٌ و اتْبَاعٌ و أَشْيَاعٌ، فَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَقُولُونَ إِنَّ مُوسَى u يَقُولُ إِنَّهُمْ مِنْ اِتِّبَاعِهِ، و لَكِنَّهُ أَيْضًا الأَمِيـرُ مُوسَى، و لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَحْدُثَ مَوْقِفٌ حَاسِمٌ يُوضِّحُ أَنَّهُ مِنْهُمْ.
****
{وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ و اسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا و عِلْمًا و كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) و دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ و هَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُو عَدُو لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ و مَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) و جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} القصص: 14 – 21 |
و دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا: كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ الْسَّبَبَ الْظْاهِرَ فِيْ مُغَادَرَةِ مُوْسَىْ قَبْلَ الْنَّبْوَةِ و هُو فِيْ مِصْرَ مُتَوَجَّهَاً إِلَىَ مَدْيَنَ، حَيْثُ دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ و الْنَّاسُ فِيْ بُيُوْتِهِمْ و الطُرُقَاتِ خَالِيَةً.
فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ و هَذَا مِنْ عَدُوِّهِ: الْرَّجُلُ الأَوَّلَ كَانَ مِنْ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ و هُمْ قَوْمُ مُوْسَىْ أَمَّا الْرَّجُلُ الْثَانِي فَكَانَ فِرْعَوْنِيٌّ مِمَّنْ كَانُوْا يُعَادُوْنَ بَنِيَّ إِسْرَائِيْلَ و يَضْطَهِدُونَهُمْ.
فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ: مُجَرّدُ أَنْ لَمَحَ الإِسْرَائِيْلِيِّ مُوْسَىْ اسْتَغَاثَ بِهِ، و فِيْ مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ لا يَحْتَاجُ الأَمْرُ إِلَىَ تَفْكِيْرٍ، بَلْ إِلَىَ سُرْعَةِ الْتَّدَخُّلِ لِصَالِحِ الإِسْرَائِيْلِيِّ، و مُوْسَىْ يَعْرِفُ الْوَاقِعَ تَمْاماً و يُدْرِكُ أَنَّ الْفَرَاعِنَةَ يَضْطَهِدُونَ الإِسْرَائِيْلِيِّينَ.
فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ: و لِقُوَّةِ مُوْسَىْ البدنية و بِمُجَرَّدِ و كْزِهِ لِلِفِرْعُوْنِيّ قَتَلَهُ، فَهُو إِذَنْ قَتْلٌ شِبْهِ عَمْدٍ لأَنَّهُ قَصَدَ الْضَرَبَ و لَمْ يَقْصِدْ الَقَتْلَ و كَانَ الْدَّافِعُ شَرِيْفَاً، حَيْثُ تُوَجِبُ الْمُلابَسَاتِ عَلَىَ مَنْ كَانَ فِيْ مِثْلِ شَهَامَتِهِ أَنْ يُسَارِعَ إِلَىَ الْرَّدِّ عَلَىَ اعْتِدَاءِ مَنْ اعْتَادُوا اسْتِضْعَافَ الْنَّاسِ.
قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُو مُضِلٌّ مُبِينٌ: بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَدَثْ تَفَكَّرَ مُوْسَىْ بِالْنَّتَائِجِ الَّتِيْ تَرَتَّبَتْ عَلَىَ سُرْعَةِ الْرَّدِّ قَبْلَ الْتَّحَقُّقِ مِنْ عَدَالَةِ مَوْقِفِ الإِسْرَائِيْلِيِّ.. و هُنَا أَدْرَكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهُ هُو مِنْ تَسْوِيلِ الْشَّيْطَانِ الَّذِيْ يَحْرِصُ عَلَىَ إِضْلالِ الإِنْسَانِ.
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: فَمُوْسَى و هُو لَمْ يُبْعَثْ رَسُوْلاً بَعْدُ.. يُقرّ بِذَنْبِهِ و يَتُوْبُ مِنْهُ و يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَىْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ.
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ: السِّيَاقُ يُلْزِمُنَا أَنْ نَّقُوْلَ إِنَّ الْنِّعْمَةَ هُنَا هِيَ نِعْمَةُ الْمَغْفِرَةِ، و هَذَا يَعْنِيْ أَنَّ مُوْسَىْ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْلَّهَ I قَدْ غَفَرَ لَهُ، و يَكُوْنُ هَذَا إِمَّا بِالْوَحْيِ أَو بِنُـزُوْلِ مَلَكٍ لِيُخْبِـرَهُ أَو غَيْـرَ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الإِخْبَارِ الْمَأْلُوْفَةِ آَنَذَاكَ، فَسَبَقَ أَنْ أَوْحَىَ الْلَّهُ I لأُمِّهِ أَنْ تَضَعَهْ فِيْ الْتَّابُوْتِ فَتَقْذِفُهُ فِيْ الْمَاءِ، و هُنَا أَدْرَكَ أَنَّ الإِسْرَائِيْلِيِّ كَانَ مِنْ أَهْلِ الإِجْرَامِ و أَنَّ نُصْرَتِهِ لَمْ تَكُنْ عَادِلَةٌ، و هَذَا يُشِيْرُ إِلَىَ أَنَّهُ كَانَ وقَّافَاً عِنْدَ الْحَقِ و لا يَنْصُرُ الْبَاطِلَ و لَوكَانَ ذَا قُرْبَىَ.
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ: مَعَ تَكْرَارِ الْحَدَثْ يَتَّضِحُ أَنَّ الرَّجُلَ الإِسْرَائِيْلِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الْمَشَاكِلِ فَلَمَّا رَأَىَ مُوْسَىْ بِادَرَ إِلَىَ الْصُّرَاخِ طَالِباً الْنَّجْدَةَ، فَلا يَكْتَفِيَ بِالاسْتِغَاثَةِ، بَلْ يَمْلأُ الْدُّنْيَا صُرَاخَاً، و الْمَشْهَدُ يُوْحِيْ بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا.
قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ: الآَنَ غِوَايَةُ الإِسْرَائِيْلِيِّ أَصْبَحَتْ عِنْدَ مُوْسَىْ واضِحَةً جَلِيَّةً.
فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُو عَدُو لَهُمَا: لاحَظَ دِقَّةَ الْتَّعْبِيْـرُ الْقُرْآنِيُّ، الْخَصْمُ هَذِهِ الْمَرَّةِ هُو إِسْرَائِيلِيٌ أَيْضاً، مِمَّا جَعَلَ حَقِيْقَةَ الْمُسْتَصْرِخِ تَتَجَلَّىْ أَمَامَ نَظَرِ مُوْسَىْ، إِضَافَةً إِلَىَ مَا يُمْكِنْ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ عُرِفَ عَنْ هَذَا الْخَصْمِ مِنْ أَخْبَارٍ بَعْدَ الْحَادِثَةِ الأُوْلَىْ فَقَدْ يَكُوْنُ عَيْنَاً لِلفَرَاعِنَةِ، و لأَنَّ هُنَاكَ فَرَقَاً بَيْنَ قَوْلِنَا: يَبْطِشُ بِالَّذِي هُو مِنْ عَدُوِّهِ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَىْ: و هَذَا مِنْ عَدُوِّهِ أَيْ هُو و قَوْمِهِ الْفَرَاعِنَةُ أَعْدَاءُ بَنِيَ إِسْرَائِيْلَ، و بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَىْ: بِالَّذِي هُو عَدُو لَّهُمَا فَيَدُلُ عَلَىَ أَنَّ الْرَّجُلَ الْثّانِيَ هُو الْعَدُو و هُو عَدُو لَهُمَا و لَيْسَ جَمِيْعَ قَوْمِهِ، فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ مُعَادِيْنَ و قَدْ لا يِكُوْنَ هُو مُعَادِيَاً و رَجُلٌ هُو نَفْسُهُ عَدُوٌ، إِذَاً كَانَ الإِسْرَائِيْلِيِّ الْغَوِيِّ عَدُوّاً لِمُوْسَى و لِخَصْمِهِ فِيْ الْمَرَّةِ الْثَّانِيَةِ و الَّذِيْ كَانَ هَذِهِ الْمَرَّةِ إِسْرَائِيْلِيَاً أَيْضاً، و هَذَا لأَمْرٍ بَسِيْطٌ {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ و مَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ و إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ و إِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} يونس: 83، فَقَوْلُهُ I (و مَلَئِهِمْ) أَيْ كُبَـرَاءُ بَنِيَ إِسْرَائِيْلَ، فَلَمْ يَقُلْ: و مَلَئِهِ مِنْ الْفَرَاعِنَةِ، فَقَدْ كَانُوْا يَخَافُوْنَ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يَفْتِنَهُمْ و يَخَافُوْنَ مِنْ مَلَئِهِمْ.. أَيْ كُبَـرَاءُ بَنِيَ إِسْرَائِيْلِ الَّذِيْنَ كَانُوْا يَتَوَاطَؤُونَ مَعَ الْفَرَاعِنَةِ لِلْبَطْشِ بِمَنْ يُخَالِفُ سِيَاسَةَ فِرْعَوْنَ، و هَذَا مَعْهُودٌ فِيْ كُلِّ الأُمَّمِ و الْعُصُوْرِ، بَلْ إِنَّ عَدَمَ وجود أَمْثَالِ هَؤُلاءِ الْجَوَاسِيِسِ و الْعُيُوْنِ و الْمُتَعَامِلِيْنَ الْمُتَوَاطِئِيْنَ غَيْـرُ مُتَصَوَّرٍ، و بِالْتَّالِيَ فَقَدْ كَانَ عَدُوّاً لِمُوْسَى و لِخَصْمِهِ الإِسْرَائِيْلِيِّ فِيْ الْحَادِثَةِ الْثَّانِيَةِ.
نَظَرَ مُوسَى إِلَى الرَّجُلِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ و قَالَ لَهُ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ثُمَّ بَدَأَ يَتَّجِهُ إِلَى المِصْرِيِّ، و لَكِنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ظَنّ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَضْرِبَهُ فَقَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شُهُودٌ بِالأَمْسِ.. إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قُتِلَ بِالأَمْسِ مِنْ حَاشِيَةِ فِرْعَوْنَ و لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ القَاتِلُ.. و كَانَ مُوسَى أَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ.. بَيْنَمَا فَضَحَهُ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ و قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ و مَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ، فَعَرَفَ مُوسَى مِنْ هَذَا المَوْقِفِ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الصَّالِحَيْنِ كَمَا كَانَ يَظُنُّ.. بَلْ بَعْضُهُمْ يُحِبُّ المَشَاكِلَ، و حَزِنَ مُوسَى لِمَا قَالَهُ لَهُ الرَّجُلُ.
بَعْدَ أَنْ سَمِعَ المصْرِيّ كَلامَ الإِسْرَائِيلِيِّ ذَهَبَ إِلَى قَصْرِ فِرْعَوْنَ و قَالَ إِنَّ القَاتِلَ هُو مُوسَى.. و كَانَ هُنَاكَ اِجْتِمَاعٌ خَاصٌّ يَجْتَمِعُ فِيهِ فِرْعَوْنُ مَعَ مَلأَهِ، و هُمْ الفَرِيقُ الخَاصُّ بِفِرْعَوْنَ و المُسْتَشَارُونَ و كِبَارُ القَوْمِ، فَوُصَلَ الرَّجُلُ المِصْرِيُّ و قَالَ إِنَّهُ عَرَفَ القَاتِلَ.. و هُو الأَمِيـرُ مُوسَى.. فَبَدَأَتْ الحَقَائِقُ تَظْهَرُ أَمَامَ فِرْعَوْنَ، فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ غَضَبًا شَدِيدًا و أَمَرَ بِقَتْلِ مُوسَى.. و أَلاَّ يُعْتَبَـرَ مَا قَامَ بِهِ مُوسَى قَتْلاً خَطَأً، و لَكِنْ قَتْلاً عَمْدًا، فَقَدْ نَجَا مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً، و لَكِنَّهُ لَنْ يَنْجُو اليَوْمَ.. و أَمَرَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَبْحَثُوا عَنْ مُوسَى و يَقْتُلُونَهُ فَوْرًا، فَمازَالَ مُوسَى فِي المَدِينَةِ {وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} القصص: 20.
فَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ مِنْ مَلأِ فِرْعَوْنَ و قَدْ كَانَ حَاضِرًا فِي الاِجْتِمَاعِ و لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، فَقَدْ أَتَى هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ.. أَيْ مِنْ أَطْرَافِ المَدِينَةِ أَيْ مِنْ القَصْرِ، و هَذَا نَتِيجَةَ أَنَّ مُوسَى كَانَ مُنْفَتِحًا عَلَى المِصْرِيِّينَ، و هَذَا الرَّجُلُ يَعْرِفُ مُوسَى، و جَاءَ يَسْعَى.. أَيْ يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ بِمُوسَى قَبْلَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، و عِنْدَمَا جَاءَ إِلَيْهِ خَرَجَ مُوسَى فَوْرًا لأَنَّهُ وثِقَ بِكَلامِهِ.. فَسَيَخْرُجُ مُوسَى مِنْ مِصْرَ.. و هَكَذَا اِنْتَهَتْ مَرْحَلَةُ الإِعْدَادِ الأُولَى الَّتِي بَدَأَتْ بِاِحْتِضَانٍ و اِنْتَهَتْ بِطَرْدٍ.. و كِلاهُمَا مُفِيدٌ، بَدَأَتْ عَلَى يَدِ أُمِهِ و اِنْتَهَتْ فِي قَصْرِ فِرْعَوْنِ مُدَّةَ ثَلاثِينَ عَامًا.
و النتيجة خروج موسى لمدين.. و الطَّرِيقُ إِلَى مَدْيَنِ و الَّتِي تَبْعُدُ عَنْ مِصْرَ إِلَى مَا يَصِلُ إِلَى 500 كِيلُومِتْر مِنْ الأَرَاضِي.. قَطَعَهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ (عِلْمًا بِأَنْ مُتَوَسِّطُ سَيْرِ الإِنْسَانِ بالأقدام ٤٨ كم يَوْمِيًّا، و لعلمكم المارثون و هو الجري مسافة 42.195 كيلومتر هو مقياس عالمي لمقدرة الإنسان على الجري في اليوم.. و الذي أصبح ذكرى بعد موت العسكري فديبيس عام 490 قبل الميلاد لنقل خبـر انتصار اليونانيين على الفرس).. و قَدْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ أَوَّلُ رِحْلَةٍ لِمُوسَى خَارِجَ مِصْرَ.. و بِالرَغْمِ مِنْ دِرَاسَتِهِ لِعِلْمِ الفَلَكِ و إِمْكَانِيَّةِ الاِهْتِدَاءِ بِالنُّجُومِ فِي الصَّحْرَاءِ و الاِسْتِعَانَةِ بِهَا فِي تَحْدِيدِ المَسَارِ الصَّحِيحِ إِلاَّ أَنَّهُ اِسْتَعَانَ بِاللّهِ U، و ظَنَّ الخَيْـرُ فِي إِهْدَائِهِ لِلمَسَارِ الصَّحِيحِ.. و يَصِفُ القُرْآنُ الكَرِيمُ خُرُوجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ {وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} القصص: 22، و لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ مِنْ مِصْرَ مُجَرَّدَ خُرُوجٌ فَجْأَةٍ.. بَلْ لَقَدْ كَانَ أَيْضًا خُرُوجٌ مِنْ كَوْنِهِ مُوسَى الأَمِيـرَ إِلَى مُوسَى المَطَارِدِ.. الَّذِي يَخْرُجُ فَقَطْ لِيَنْجُو بِنَفْسِهِ مِنْ القَتْلِ و ذَلِكَ لأَنَّهُ سَاعَدَ ضَعِيفًا، و يَبْدَأُ التَّرْحَالُ فِي حَيَاةِ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهُو لَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًا مِنْ الآنِ فَصَاعِدًا فِي حَيَاتِهِ.
و مَعَ اِشْتِدَادٍ حَذَرِ فِرْعَوْنُ مَنْ تَحَقَّقِ الرُؤيَا و سَلَبِ مُلْكِهِ.. اِشْتَدَّتْ أَوَامِرُهُ لِجُنُودِهِ بِإِيجَادِ مُوسَى حَيًّا أَو مَيِّتًا، فَاِنْتَشَرَ جُنُودُ فِرْعَوْنَ فِي بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيُفَتِّشُوهَا، و عَذَّبُوهُمْ لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَهُ، و لَكِنَّهَمْ لَمْ يَبْحَثُوا عَنْهِ قَطُّ فِي الصَّحْرَاءِ.. و ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الصَّحْرَاءَ جَرْدَاءُ مَنْ دَخَلَهَا و هُو لا يَمْلِكُ رَكُوْبَةً و لا دَلِيلاً فَهُو هَالِكٌ لا مَحَالَة.
يَسِيرُ مُوسَى فِي الطَّرِيقِ إِلَى مَدْيَنَ، و يَمُرُّ عَلَيْهِ يَوْمٌ و يَوْمَانِ و ثَلاثَةٌ، و فِي هَذَا يَقُولُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٍ ﷺ: “إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ” الجامع الصحيح للسنن و المسانيد.. لاحَظَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ.. بِهَدَفِ الخُرُوجِ مِنْ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ و الَّتِي كَانَتْ تُغَطِّي مِصْرَ و السُّودَانَ و الشَّامَ إلى حُدُودِ تُرْكِيَا.. فَبَعْدَ أَنْ تَجَاوَزَ فِلَسْطِينَ اِتَّجَهَ جَنُوبًا صَوْبَ مَدْيَنَ.. لِيَخْرُجَ مِنْ حُدُودِ دَوْلَةِ الفرَاعِنَةِ إِلَى جَزِيرَةِ العَرَبِ.. و لَمْ يَمُرَّ عَلَى بَحْرٍ (لا خَلِيجَ السُّوَيْسِ و لا خَلِيجَ العَقَبَةِ).. و بِهَذَا تَنْتَهِي المَرْحَلَةُ الأَوُلَى.
* * *
{وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) و لَمَّا ورد مَاءَ مَدْيَنَ وجد عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ و وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ و أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ و قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ و مَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي و بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ و اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ و كِيلٌ} القصص:22- 28 |
مَرْحَلَةُ الإِعْدَادِ الثَّانِيَةُ
تبدأ من خروج موسى من مصر و وصوله لمدين.. و ندخل من جديد بالمصطلحات.. نبدأ بـمَدْيَنْ = المَثْوَى.. مِنْ هَذِهِ فِي العِبْرِيَّةِ – الآرامية “مَدَّيْنَا” (المَدِينَةُ فِي العَرَبِيَّةِ)، أَيْ البَلْدَةِ الَّتِي يُثْوَى بِهَا و يُقَامُ، هِيَ عَلَى وزن الفَاعِلُ المؤنّثِ (عِبْرِيًّا و آرامياً) مِنْ أدْيَنَ/ يَدِينُ، المشتقة مِنْ دَانَ/ يَدَوُنُ العِبْرِيَّ – الآرامي، بِمَعْنَى الَّتِي تَثْوِي بِهَا و تُثْوِيكَ، و مِنْ هَذِهِ جَاءَتْ “مديان” العِبْرِيَّةُ – الآرامية، عَلَى “مِفْعَالْ”، و اِسْمُ المَكَانِ هُو “المثوى” و “المَقَامُ”، و هَذَا هُو نَفْسُهُ التَّفْسِيرُ القُرْآنِيَّ لِمَعْنَى “مَدْيَن” فِي القُرْآنِ تَجِدُهُ فِي قَوْلِهِ U {و مَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا و لَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} القصص:45، عَلَى الجِنَاسِ المَعْنَوِيُّ، “أَيْ مَا كُنْتَ مادِناً فِي مَدْيَنِ”، و “مَدَنَ” العَرَبِيَّ يَعْنِي أَتَى المَدِينَةَ.
فَأرْضُ مَدْيَنَ هِيَ أَرْضُ شُعَيْبٌ u، و جَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمُ u، و يَبْعُدُ زَمَنُهُ عَنْ زَمَنِ مُوسَى u بِثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، و هَذِهِ المنطقة فِي شَمَالِ تَبُوكْ فِي المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السَّعُودِيَّةِ قَرِيبٌ مِنْهَا مَنْطَقَةُ البِدْعْ الَّتِي تُقَابِلُ نُويْبِع فِي خَلِيجِ العَقَبَةِ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ.. و فِيهَا جَبَلُ اللَّوْزِ.. و دَخَلَ مُوسَى إِلَى مَدْيَنَ و تَوَجَّهَ إِلَى مُجْتَمَعِ النَّاسِ، و هُو مَاءُ مَدْيَنَ، و هَذَا هُو المَكَانُ الَّذِي يَسْقِي النَّاسُ فِيهِ.. كَانَ لِلقُدَمَاءِ عَادَةً و هِيَ أَنَّ الغَرِيبَ إِذَا دَخَلَ أَرْضًا جَدِيدَةً عَلَيْهِ، و أَرَادَ أَنْ يُضَيَّفَهُ أَحَدٌ لِيَأْكُلْ و يَشْرَبِ.. فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى مَكَانِ السِّقَاءِ، لأَنَّهُ مَكَانُ اِجْتِمَاعِ القَوْمِ مِمَّا يَجْعَلُهُ مَكَانًا مُنَاسِبًا لإِيجَادِ شَخْصٍ يُضيِّفُ الغَرِيبُ.. هَذَا بِالإِضَافَةِ إلى أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ بَعْدَ رِحْلَةِ الثَّمَانِيَةِ أَيَّامٍ فِي الصَّحْرَاءِ، {وَ لَمَّا ورد مَاءَ مَدْيَنَ وجد عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ و وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ…} القصص: 23، و الأُمَّةُ مِنْ النَّاسِ هِيَ الجَمَاعَاتُ الكَثِيـرَةُ مِنْ الناسِ، و فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ لاحَظَ شَيْئًا غَرِيبًا، و هُو وقُوفُ فَتَاتَيْنِ عَلَى جَانِبِ هَذِهِ السَّاحَةِ الكَبِيـرَةِ و مَعَهِمَا أَغْنَامَهُمَا، و لَكِنَّهُمَا لا تَقْتَرِبَانِ مِنْ المَاءِ.. فَمِنْ المُشَاهَدَةِ و المُرَاقَبَةِ وجد الفَتَاتَيْنِ تَقِفَانِ عَلَى جَانِبِ السَّاحَةِ، بَيْنَمَا يَقِفُ النَّاسُ فِي طَابُورٍ عَلَى المَاءِ الأَقْوَى فَالأَقْوَى، أَيْ أَنّ الأَقْوَى يَصِلُ إِلَى المَاءِ أَوّلاً، يَسْقِي نَفْسَهُ ثُمَّ أَهْلَهُ ثُمَّ مَاشِيَتَهُ و يَنْصَرِفُ، لِيَأْتِيَ الَّذِي يَلِيَهُ فِي القُوَّةِ (الأقل قوة)، و هَكَذَا مَنْ يَأْتِي البِئْرَ مُبَكِّرًا يَأْخُذُ المَاءَ الصَّافِيَ، و مَعَ الوَقْتِ يَبْدَأُ الطِّينُ و الكَدَرُ المَوْجُودَانِ فِي قَاعِ البِئْـرِ يُعَكِّرَانِ المَاءَ، فَيَأْتِي الضَّعِيفَ و يَأْخُذُ المَاءَ المُكَدَّرَ بِالطِّينِ، و أَضْعَفَ الضُّعَفَاءَ هُومَنْ سَيَسْقِي فِي آخَرِ الوَقْتِ بَعْدَ اِنْصِرَافِ جَمِيعُ السُّقَاةِ.. و بِالطَبْعِ أَضْعَفُ الضُّعَفَاءُ هُمَا الفَتَاتَانِ لأَنَّ والدهُمَا رَجُلٌ عَجُوزٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْقِيَ بنَفْسِهُ، اِسْتَطَاعَ مُوسَى بَعْدَ أَنْ شَاهِدٌ و رَاقَبَ سَاحَةَ مَاءِ مَدْيَنَ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى مَاهِيَّةِ مَنْطِقِ الحُكْمِ عِنْدَ أَهْلِ هَذِهِ المَدِينَةِ، و هُو مَنْطِقُ القُوَّةِ و لَيْسَ مَنْطِقُ الرَّحْمَةِ، عِلْمًا أَنَّهُ مَا ورد مَاءَ مَدِينَ إِلاَّ لِيَجِدَ مَنْ يَسْتَضِيفُهُ، و هُو الغَرِيبُ الجَائِعُ، و مِنْ المُؤَكَّدُ أَنَّ الفَتَاتَيْنِ لَنْ تَسْتَضِيفَا رَجُلاً، و لَو أَنَّهُ سَاعِدُهُمَا.. فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ سَيُقْدِمُهُمَا بِقُوَّتِهِ عَلَى كَثِيـرٍ مِنْ الرِّجَالِ، و تَقِلُ فُرَصُ اِسْتِضَافَتِهِ مِنْ أَحَدِ هَؤُلاءِ الرِّجَالِ أَو حَتَّى تَنْعَدِمُ الفُرْصَةُ، إِنَّ شَهَامَتَهُ سَتَتَغَلَّبُ عَلَى تَعَبِهِ و جُوعِهِ و عَطَشِهِ.. و سَيُسَاعِدُ الفَتَاتَيْنِ.
ذَهَبَ مُوسَى إِلَى الفَتَاتَيْنِ يَسْأَلَهُمَا عَنْ أَمْرُهُمَا، و يَسْرُدُ القُرْآنُ الكَرِيمُ الخَطَّابَ بَيْنَهِمَا {…وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ و أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} القصص: 23 و لاحَظَ أَدَبُ الفَتَاتَيْنِ، و إِنْ كَانَ المَنْطِقُ الَّذِي يَعْرِفُهُ السُّقَاةُ هُو مَنْطِقُ القُوَّةِ فَمُوسَى هُو لَهَا، و بِالفِعْلِ تَزَاحَمَ مَعَ الرِّجَالِ و سَقَى لَهُمَا، و نَسِيَ جُوعَهُ و عَطَشَهُ.. و بَعْدَ أَنْ سَقَى مُوسَى لِلفَتَاتَيْنِ خَسِرَ كُلَّ مَنْ كَانَ يَقِفُ عَلَى مَاءِ مَدْيَنَ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ قَدْ يُضَيّفُونَهُ.. فَرَجَعَ إِلَى الخَلْفِ و جَلَسَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلاَّ اللهَ U {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} القصص: 24، جَلَسَ تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرَةِ بِجَسَدِهِ، و ذَهَبَ إِلَى ظِلِّ رَحْمَةِ رَبِّنَا بِرُوحِهِ و قَلْبِهِ و هُو يَقُولُ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، و موسى قَدْ كَانَ له فِي كُلِّ خُطْوَةِ دُعَاءً:
1. {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
2. {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}
3. {… قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
4. {… قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ}
5. {… فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}،
يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَنَا فَقِيـرٌ، بِلا مَأْوَى، بِلا أَهْلٍ، لَيْسَ لِي أَحَدَ، عُدْتُ فَقِيـرًا، فَالأَمِيرُ مُوسَى اِبْنُ قَصْرِ الأَمْسِ يَجْلِسُ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ الوَاسِعَةِ.. أَمَامَ هَذَا البِئْـرُ.. و يَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا فَقِيرٌ، فَمُوسَى يَلْجَأُ إِلَى اللهِ بِضَعْفِهِ و ذُلِّهِ، و أَحْسَنُ عِبَادَةٍ عِنْدَمَا تَلْجَأُ إِلَى اللهِ بِضَعْفٍ و ذُلٍّ.
كَانَتْ نَتِيجَةُ الدُّعَاءِ مَعَ التَّذَلُّلِ و ذِكَرِ نِعَمِ اللهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ شَكْوَاهُ {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا…} القصص: 25، فَإِذَا الفَتَاةُ تَأْتِيهِ بِسُرْعَةٍ بَعْدَ أَنْ دَعَا اللهَ.. و الفَاءُ هُنَا لِلسُّرْعَةِ (فَجَاءَتْهُ)، و هَذَا يَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، اُنْظُرْ إِلَى حَلاوَةِ القُرْآنِ و هُو يَصِفُ حَيَاءَ البِنْتِ، فَكَلِمَةُ الاِسْتِحْيَاءِ مُبَالَغَةٌ فِي الحَيَاءِ، و هِيَ مِنْ أَجْمَلِ صِفَاتِ المَرْأَةِ، و لقَدْ وصف اللهُ تَعَالَى الفَتَاةَ الَّتِي سَتَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ زَوْجَةَ مُوسَى بِأَنَّهَا فِي مُنْتَهَى الحَيَاءِ، و تَمْشِيَ عَلَى اِسْتِحْيَاءٍ، فَشَبّهَ الحَيَاءُ بِأَنَّهُ سَجَّادَةٌ مَفْرُوشَةٌ عَلَى الصَّحْرَاءِ، و هِيَ تَمَشِّي عَلَيْهَا، مِنْ المُمْكِنُ أَنْ تَقْرَأَ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ… ثم تَقِفُ و تَقُولُ.. قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ.. أَو مِنْ المُمْكِنُ أَنْ تَقْرَأَ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي… ثم تَقِفُ.. عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ.. فَهِيَ تَمْشِي و تَتَحَدَّثُ عَلَى اِسْتِحْيَاءٍ.. و الأَرْضُ مَبْسُوطَةٌ حَيَاءً، و مِنْ حَيَاءِ البِنْتِ، لَمْ تَقُلْ لَهُ أَدْعُوكَ عَلَى الطَّعَامِ، و لَكِنْ بَدَأَتْ حَدِيثَهَا بِذِكْرِ أَبِيهَا.. تَقُولُ لَهُ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا.. و مُنْذُ ذَلِكَ الوَقْتِ و هَبَهُ اللهُ الاِسْتِقْرَارَ و الطَّعَامَ و المَأْوَى و السَّكَنَ و الزَّوَاجَ فِيمَا بَعْدُ.
مُوسَى ذَهَبَ مَعَهَا، لأَنَّهُ يَتَعَامَلُ مَعَ وضعهِ الجَدِيدِ بِمُرُونَةٍ، فَهُو يَعْلَمُ إِنَّهُ لَمْ يَعُدْ الأَمِيـرَ مُوسَى، و فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ رَاضِ بِقَضَاءِ اللهِ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَى الشَّيْخِ أَخْبَـرَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُنْذُ كَانَ طِفْلاً، و كَيْفَ تَرَبَّى فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ، و مَاذَا فَعَلَ لَهُ فِرْعَوْنُ و أَهَانَ بِنِي إِسْرَائِيلَ، {… فَلَمَّا جَاءَهُ و قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}القصص: 25، لَمْ يَكُنْ مُوسَى يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى السَّكَنِ و الطَّعَامِ بَلْ يَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى الأَمَانِ.
و إِذَا بِالفَتَاةِ الحَيَيّةِ و القَوِيَّةِ تَطْرَحُ فِكْرَةٌ لَمْ يُفَكِّرْ أَحَدٌ فِيهَا، فَهَذِهِ البِنْتُ تَجَمَعُ بَيْنَ الحَيَاءِ و القُوَّةِ و النَّضْجِ و العَقْلِ {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} القصص: 26، و الشَّيْخُ مُحْرَجٌ أَنْ يَعْرِضَ عَلَى أَمِيـرَ مِصْرَ أَنْ يَعْمَلَ عِنْدَهُمْ رَاعٍ لِلغَنَمِ بِالأُجْرَةِ.. و لَكِنَّ مُوسَى تَقَبَّلَ هَذَا العَمَلَ، لأَنَّ قِيمَةَ العَمَلِ غَالِيَةٌ جِدًّا.. و لأَنَّهُ شَخْصِيَّةٌ مُسْتَعِدَّةٌ على الْتَعَامَلِ مَعَ الحَيَاةِ فِي كُلِّ أَوْضَاعِهَا و حَالاتِهَا المُرْتَفِعَةُ و المُنْخَفِضَةُ.. و رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ t أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ و تَعَالَى أَرْسَلَ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ يُخَيِّـرُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا أَو مَلِكًا نَبِيًّا، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ u أَنْ تَوَاضَعْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “بَلْ عَبْدًا نَبِيًّا“ شعب الإيمان.
وَ عَرَضَ الأَبُ “الشَّيْخُ الكَبِيـرُ” عَلَى مُوسَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ “رَاعِيَ غَنَمْ” لِمُدَّةِ ثماني سَنَوَاتٍ، و كَانَ الأَبُ حَسَّاسٌ و ذَكِيٌّ، فَرَأَى اِبْنَتَهُ الحَيِيّ تَتَحَدَّثُ عَنْ مُوسَى بِالمَدْحِ “القَوِيُّ الأَمِينُ“، فَالأَبَ عَرَضَ عَلَى مُوسَى فِكْرَةَ الزَّوَاجِ {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ و مَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}القصص: 27، عَشْرُ حِجَـجٍ و ذلك حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهِ حُكْمَ القَتْلِ.. فَحَصَلَ عَلَىَ عَقْدِ عَمَلٍ مُدَّتُهُ عَشْرِ حِجَجٍ و زَوْجَةٍ و سَكَنٍ، و هَذَا الْنِّظَامُ مَازَالَ فِي بَعْضِ الأَنْظِمَةِ الْحَدِيثَةِ و الَّتِيْ تُسْقِطُ حكم الإعدام في جَرِيْمَةُ الْقَتْلِ عَنْ الْقَاتِلِ بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ و بَعْضُهَا بَعْدَ عِشْرِيْنَ سَنَةٍ (قوانين حمورابي).
يُوَافِقُ مُوسَى عَلَى الزَّوَاجِ، و كَانَ عُمْرُهُ ثَلاثُونَ عَامًا.. و جَمِيعُ أُمَرَاءَ مِصْرَ يَتَزَوَّجُونَ فِي سِنٍّ السَّابِعَةِ عَشْرَ و الثَّامِنَةِ عَشْرَ، فَكَانَ هُنَاكَ فَرْقٌ اجتماعي بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ و المِصْرِيِّينَ، و لَمْ يَتَـزَوَّجْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لأَنَّ فِرْعَوْنَ سَيَقْهَرُهُ، فَيَتَـزَوَّجُ مُوسَى بِنْتاً عَرَبِيَّةً، و بَدَأَ عَمَلَهُ فِي رَعْيِ الغَنَمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَاعِيَ غَنْمٍ”، قَالوا: و لا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “و أَنَا كُنْتُ أَرْعَاهَا لأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ“صحيح البخاري.. اِخْتَارَ اللهُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ “رَاعِيَ غَنَمٍ”، لأَنَّ هَذَا كَفِيلٌ بِأَنْ يُعْلِّمَهُ الصَّبْرَ، و هُو لا بُدّ و أَنْ يَصْبِرَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، و يَتَعَلَّمُ الحُلْمَ و عَدَمَ العَجَلَةِ، حَتَّى يَكُونَ نَبِيُّ اللهِ، و مِنْ أُولَى العَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ الصَّابِرِينَ، و لِيَتَعَلَّمْ الصَّبْرَ و الْتَفَكُّرَ و الحِكْمَةَ.. و بَدَأَتْ العَصَا “عَصَا الغَنَمِ” تَظْهَرُ فِي حَيَاةِ مُوسَى، و عِنْدَمَا صَبَرَ عَلَى العَصَا مِنْ أَجْلِ الغَنَمِ، جَعْلَ اللهُ لَهُ هَذِهِ العَصَا بِصَبْرِهِ و إِخْلاصِهِ سَبَبٌ فِي عِزَّةٍ و نَصْرٍ كَبِيرٍ.
عَاشَ مُوسَى فِي ثَلاثِ بِيئَاتٍ، أَوَّلُ حَيَاتِهِ فِي القُصُورِ، ثُمَّ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الضُّعَفَاءِ و الفُقَرَاءِ، ثُمَّ فِي وسَطِ البَدْو و الصَّحْرَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ عُنْصُرِياً، بَلْ مُنْفَتِحاً يَتَعَايَشُ مَعَ جَمِيعِ الجِنْسِيَّاتِ، و اَلآنَ لَدَيْهِ ثَلاثُ لُغَاتٍ: العِبْرِيَّةُ (لُغَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، و (الهِيرُوغْلِيفِيَّةُ) لُغَةُ المِصِرِّينَ القُدَمَاءِ، و العَرَبِيَّةُ (لُغَةِ أَهْلِ مَدْيَنَ(؛ لأَنَّهُ عَاشَ و اِنْدَمَجَ فِي وسَطِ العَرَبِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ.. و جَعَلَهُ اللهُ يَعِيشُ فِي الصَّحْرَاءِ.. لأَنَّهُ سَيَعِيشُ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةٍ فيها.. و بَنِي إِسْرَائِيلُ لا بُدّ أَنْ يَجِدُوا قَائِدًا غَيْـرَ مُتَـرَدِّدٍ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحْرَاءِ، و أَرَادَ اللهُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَعِيشَ مِثْلَ أَيّ مُوَاطِنٍ، يَعِيشُ مَعَ الضُّعَفَاءِ و المَسَاكِينِ، فَلَو اِسْتَمَرَّ مُوسَى اِبْنُ القَصَرِ.. لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَقُودَ بَنِي إِسْرَائِيلُ، و لَكِنَّ اللهَ جَعَلَهُ يَتْعَبَ و يَشْقَى.. لأَنَّ كُلَّ هَذَا يَجْعَلُهُ خَبِيـراً فِي الحَيَاةِ، و شَيْءٌ آخَرُ فَفِي الْرَعْي.. الصَّحْرَاءَ و السَّمَاءَ و السُّكُونَ.. فَالصَّحْرَاءُ سَاكِنَةٌ و لا يُوجَدَ فِيهَا غَيْـرُ حَرَكَةِ المَاعِزِ البَطِيئَةِ، و قدْ كَانَ يَعِيشُ مَعَ فِرْعَوْنَ فِي ضَوْضَاءِ المَدِينَةِ.
فَيَتَّجِهُ مُوسَى إِلَى نَوْعٍ جَدِيدٍ مِنْ العِبَادَةِ “عِبَادَةُ التَفَكّرِ“، هَذِهِ العِبَادَةُ أَخَذَتْ عَشْرَ سَنَوَاتٍ مِنْ مُوسَى كَيْ يَكُونَ نبيًا.. و أَخَذَتْ كَذَلِكَ عَشْرُ سَنَوَاتٍ مِنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي غَارِ حِراءٍ كَيْ يَكُونَ نبيًا.. و تَعَلَّمَ مُوسَى فِي مِصْرَ الحَيَاةَ العَمَلِيَّةَ و العِلْمَ وحياةَ القُصُورِ و عَدَمَ الخَوْفِ مِنْ فِرْعَوْنَ و البُرُوتُوكُولاتُ، و تَعَلَّمَ فِي الصَّحْرَاءِ التَفَكُّرَ و الهُدُوءَ النَّفْسِيّ.. كُلّ هَذَا يُجَسِّدُهُ اللهُ فِي آيَةٍ واحِدَةٍ {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُو لِي و عَدُو لَهُ و أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي و لِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} طه: 39.
****
مَرْحَلَةُ التَّنْفِيذِ الأُولَى
إِنَّ اللهَ I يَصْطَفِي و يَخْتَارُ، فَأَصْطَفَى الأَنْبِيَاءَ مِنْ الناس ثُمَّ اصْطَفَى أُولَى العَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ مِنْ الأَنْبِيَاءِ.. و هُمْ خَمْسَةٌ: مُحَمَّدٌ ﷺ، و مُوسَى، إِبْرَاهِيمُ، عِيسَى و نُوْحِ عليهم السلام، ثُمَّ اِصْطَفَى مِنْ أَوَّلِي العَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ و جَعَلَهُ خَاتَمَ الأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ اِصْطَفَى لَهُ أُمَّتَهُ، و اِصْطَفَى السَّيِّدَةَ مَرْيَمَ {وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ و طَهَّرَكِ و اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}آل عمران: 42، و اِصْطَفَى مُوسَى u {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي و بِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ و كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} الأعراف: 144.
يَعِيشُ مُوسَى مِنْ سِنّ الثَّلاثِينَ إِلَى الأَرْبَعِينَ فِي مَدْيَن، و أَصْبَحَ الشَّيْخُ أَنِيسًا لَهُ، و بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ مُوسَى العَوْدَةَ لِمِصْرَ كَانَ الْلِّقَاءِ الأُوَلِ الَّذِيْ كَلّمَ فِيْهِ الْخَالِقُ I رَسُوْلَهُ مُوْسَىْ u و ذَلِكَ فِيْ طَرِيْقِ عَوْدَتِهِ مِنْ مَدْيَنَ فِيْ الْوَادِيْ الْمُقَدَّسِ طَوَىَ عِنْدَ جَبَلِ الْطُّورِ بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ مَضَتْ مِنْ خُرُوْجِهِ مِنْ مِصْرَ.
سَيْنَاءُ هي الشَّجَرَةُ (طُورِ سَيْنَاء=جَبَلُ الشَّجَرَةِ).. “الطُّورُ” كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ آرَاميةٌ تَعْنِي الجَبَلَ أَو “هَارَ” بِالعِبْرِيَّةِ، {وَ الطُّورِ (1) و كِتَابٍ مَسْطُورٍ} الطور: 1 – 2 و هُو مَكَانٌ تَنَـزّلُ التَّوْرَاةَ، و يُعَرِّبُهُ القُرْآنُ بِالجَبَلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ U {وَ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا و كَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي و لَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا و خَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ و أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} و قَوْلِهِ U {وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ و ظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ و اذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأعراف: 171.
و يُرَادَفُ بَيْنَ لفْظةِ “الطُّورِ” و “الغَرْبِيّ” كَمَا فِي قَوْلِهِ U {وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ و مَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} القصص: 44 و قَوْلِهِ U {وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا و لَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} القصص: 46، و عِنْدَ المَصْرِّينَ اليَمِينِ هُو الغَرْبُ فَهُمْ عِنْدَ تَحْدِيدِ الجِهَاتِ يَسْتَقْبِلُونَ الجَنُوبَ فَيَكُونُ الشَّرْقُ عَلَى اليَسَارِ و الغَرْبُ عَلَى اليَمِينِ (عَكْسَ الطَّرِيقَةِ الحَالِيَّةِ في تحديد الشمال و الجنوب).
حَلَفَ الْحَقُّ I بِالْطُّورِ مَرَّتَيْنِ فِيْ كِتَابِهِ الْعَزِيْزِ، و ذَلِكَ لِبَالِغِ الأَهَمِّيَّةِ لِهَذَا الْمَكَانِ و مَا حَدَثَتْ و سَتَحْدُثُ فِيْهِ مِنْ أَحَدَاثٍ عِظَامٍ، و فَضْلُ تِلْكَ الْبُقْعَةِ الَّتِيْ كَلَّمَ الْلَّهُ تَعَالَىْ فِيْهَا مُوْسَىْ و هِيَ مِنْ جَبَلِ الْطُّورِ، و وَرَدَ اسْمُ الْطُّورِ عَشْرُ مَرَّاتٍ فِيْ الْقُرْآَنِ لْكَرِيْمِ، إِلَيْكَ هَذِهِ الْمَرَّاتُ حَسَبَ تَسَلْسُلِهَا الْتَّارِيْخِيَّ تَقْرَيْبَاً:
1. {وَ الطُّورِ (1) و كِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} الطور: 1 – 3،
2. {وَ طُورِ سِينِينَ} التين: 2.. هنا الطور تعني المرحلة،
3. {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ و سَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَو جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} القصص: 29،
4. {وَ نَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ و قَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} مريم: 52،
5. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ و وَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ و نَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ و السَّلْوَى} طه: 80،
6. {وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ و رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ و اسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا و عَصَيْنَا و أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة: 93،
7. {وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ و رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ و اذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 63،
8. {وَ رَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ و قُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا و قُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ و أَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} النساء: 154،
9. {وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ و صِبْغٍ لِلآكِلِينَ} المؤمنون: 20،
10. {وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا و لَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} القصص: 46.
“طُوَى“ مِنْ الكَلِمَاتِ المِصْرِيَّةِ القَدِيمَةِ و الَّتِي كَانَ أَصْلَهَا فِي الهِيرُوغْلِيفِيَّةِ “ضو“ و تُنْطَقُ “تُوُو“ و الأَصْلُ البَعِيدُ “ضُوا“ أَو“طُوا“ كَمَا قَالَ U {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه: 12 و قوله U {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} النازعات: 16 و تَعْنِي الجَبَلَ الَّذِي فِي سَفْحِهِ زَرْعٍ.
فَيُصْبِحُ مَعْنَى طُوْرِ سَيْنَاءَ = جَبَلُ الشَّجَرَةِ، و الشَّجَرَةُ هِيَ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ و الدليل {وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ و صِبْغٍ لِلآكِلِينَ} المؤمنون: 20، و نَفْهَمُ هَذَا مِنْ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ U {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ و مَنْ حَوْلَهَا و سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} النمل: 8 و قوله U {…الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ و لا غَرْبِيَّةٍ…} النور: 35، الكلمتين (بُورِكَ) و (مُبَارَكَةٍ) تدل على شجرة الزيتون. و لَقَدْ أَثْبَتَتْ الدِّرَاسَاتُ الحَدِيثَةُ أَنَّ مُوسَى قَدْ عَبـْرَ مَعَ بِنِّي إِسْرَائِيلُ خَلِيجُ العَقَبَةِ مِنْ مِنْطَقَةٍ نويبع بِاِتِّجَاهِ البِدَعِ و التِيَ فِيهَا مَدْيَنَ، و عَلَى جَبَلِ الطور كَانَ وقُوفُ نَبِيِّ الله مُوسَى و كَلامُهُ مَعَ الله U، و كَانَ تَجَلِّي الخَالِقِ U عَلَى جَبَلٍ يُسَمَّى (جَبَلُ اللَّوْزِ).
يَصِفُ الْلَّهُ I هَذَا الْلِقَاءَ فِيْ عِدَّةِ مَوَاضِعَ فِيْ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ، فَفِيْ جَو شَدِيْدِ الْبُـرُوْدَةِ و شَدِيْدِ الْظَّلامِ..
– {إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَو آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ و مَنْ حَوْلَهَا و سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} النمل: 7 – 9،
– {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ و سَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَو جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} القصص:29-30،
– {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً} طه: 12،
– {وَ مَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ و مَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} القصص: 44،
فَعِنْدَمَا نَادَى الْلَّهُ I عَبْدَهُ و رَسُوْلَهُ مُوْسَىْ u بَعْدَ أَنْ حَلَّ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَىْ، فَقَدْ أَتَىَ بِهِ اللَّطِيْفُ الْخَبِيـْرُ عَلَىَ قَدَرٍ، و إِنَّمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا مِنْهُ لِذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي سَيَسْمَعُ فِيهِ الْكَلامَ الإِلَهِيَّ.
بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ و مَنْ حَوْلَهَا: هَذَا هُو الْنِّدَاءُ و الإِعْلانُ مِنْ الْخَالِقِ I و قَدْ حَلَّتْ الْبَرَكَةُ عَلَىَ كُلِّ مَنْ شَهِدَ الْمَوْقِفَ، فَلَفْظَةُ بُوْرِكَ واضِحَةُ الْدَّلالَةِ عَلَىَ أَنَّ الْلَّهَ قَدْ أَفَاضَ الْبَرَكَةَ عَلَىَ مَنْ فِيْ الْنَّارِ و مَنْ حَوْلِهَا فِيْ هَذَا الْوَادِ الْمُقَدَّسِ، فَقَدْ تَمَّتْ إِفَاضَةُ الْبَرَكَةِ فَتَحَصَّلَتْ لِمَنْ وجد فِيْ الْمَكَانِ مِنْ الْعُقَلاءِ الَّذِيْنَ يُشِيْرُ إِلَيْهِمْ الْحَرْفُ (مَنْ)، و تَكوْنُ الْبَرَكَةُ قَدْ فَاضَتْ عَلَىَ كُلِّ مَوْجُوْدَاتِ الْوَادِيْ مِنْ الْعُقَلاءِ و غَيـْرِ الْعُقَلاءِ، و لأَنَّنَا أَمَامُ حَدَثٍ جَلِيْلٍ.. لا يَنْتَمِيْ إِلَىَ الْسّنَنِ الْمَعْهُوْدَةِ.. حَيْثُ الْخَالِقُ I يُكَلِّمُ الْمَخْلُوْقَ الَمْحُدُودَ.. و يَكُوْنُ الْكَلامُ فِيْ الْنَّارِ الَّتِيْ هِيَ فِيْ الْشَّجَرَةِ، فَسَيَكُونُ مَا فِيْهَا مِنْ مَخْلُوْقَاتِ الْلَّهِ الْمُدْرِكَةُ الْمُنَوَّرَةُ بِأَنْوَارِ الْقُدُسْ.. و الَّتِيْ أَتَتْ فِيْ مَوْكِبٍ مَهِيْبٍ تَشْهَدُ نِدَاءَ الْلَّهِ لِرَسُوْلٍ مِنْ رُسِلِهِ مِنْ نَسْلِ آَدَمِ.. الَّذِيْ أُسْجِدتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ الْكِرَامُ، فَلَعَلَّنَا إِذَنْ نُخَمِّنَ أَنَّ فِيْ الْنَّارِ الْمَبَارَكَةِ الَّتِيْ لا نُدْرِكُ حَقِيْقَتَهَا.. مَلائِكَةٌ يَشْهَدُوْنَ الْوَحْيِ فَأَفَاضَ الْلَّهُ I عَلَيْهِمْ الْبَرَكَاتِ، فَالْمَلائِكَةُ إِذَنْ فِيْهَا و مِنْ حَوْلِهَا تَمْلأُ الْمَكَانَ.. أَمَّا مُوْسَىْ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ مِمَّنْ حَوْلِهَا.. و الْمِهِمّ أَنَّ مَنْ فِيْ الْنَّارِ هُمْ عُقَلاءٌ يَسْتَحِقُّوْنَ أَنْ يَفِيْضَ الْلَّهُ I عَلَيْهِمْ بِالْبَرَكَاتِ و كَذَلِكَ مَنْ هُمْ حَوْلَهَا.
و سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: أَمَّا الْلَّهُ I فيَتَنَـزّهُ عَنْ كُلِّ مَا لا يَلِيْقُ بِجَلالِهِ و عَظَمَتِهِ و عِزَّتِهِ و هُو يَفِيْضُ بِالْبَرَكَاتِ عَلَىَ الْمَخْلُوْقَاتِ و لا يَفِيْضُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، تَعَالَىْ الْلَّهُ عَمَّا يَظُنُّوْنَ، فَقَوْلَ الْحَقِّ I بُوْرِكَ مَنْ فِيْ الْنَّارِ أَوْصَلَ إِلَيْنَا مَعْلُوْمَةً بِأَنَّ هُنَاكَ كَائِنَاتٍ مُكَرَّمَةٍ قَدْ حَلَّتْ فِيْ الْنَّارِ و إِنْ كُنَّا غَيِّـرُ قَادِرِيْنَ عَلَىَ تَصَوَّرِ ذَلِكَ نَظَرَاً لِمَحْدُوْدِيَّةِ الْحِسِّ و الْعَقْلِ لَدَيْنَا.
بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوى: الْوَادِيْ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ بَيْنَ الْجِبَالِ، و الْمُرَادُ بِهِ الْتَّطْهِيْـرُ الْمَعْنَوِيِّ و هُو التَّشْرِيْفِ و الْتَّبْرِيكُ لأَجْلِ مَا نَزَلَ فِيْهِ مِنْ كَلامِ الْلَّهِ دُوْنَ تَوَسَّطَ مَلَكَ.. يُبَلِّغَ الْكَلامَ إِلَىَ مُوْسَىْ، فَهُو الْمُطَهَّرُ و الَّذِيْ قَدْ طُهِّرَ تَطْهِيْـراً خَاصَّاً مِنْ أَجْلِ أَنْ يُكَلِّمَ فِيْهِ الْجَلِيْلُ I مُصْطَفَاهُ، و ذَلِكَ تَقْدِيْسٌ خَاصٌّ، و لِذَلِكَ قَالَ الْلَّهُ فِيْ الآَيَةِ الأُخْرَى {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه: 12.
وَطُوَى: اسْمُ مَكَانٍ و لَعَلَّهُ هُو نَوْعٌ مِنْ الأَوْدِيَةِ يُشْبِهُ الْبِئـْرَ الْمَطْوِيَّةَ، و في تَفْسِيْرِ فَتْحِ الْقَدِيْرِ لِلشَّوَكَانّىْ طَوَىَ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْشَّامِ و قَدْ سُمِّيَ مَكَانٌ بِظَاهِرِ مَكَّةَ ذَا طُوَى بِضَمِّ الْطَّاءِ و بِفَتْحِهَا و كَسْرِهَا، و مَادَّةُ (طَوَىَ) طَوَىَ جَبَلٌ بِالْشَّامِ، و قِيَلَ هُو وادٍ في أَصْلِ الْطُّورِ و يَكُوْنُ هَذَا الْلَّفْظُ اسْماً لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، و مَنْ قَرَأَ طِوَىَ بِالْكَسْرِ فَعَلَىَ مَعْنَى الْمُقَدَّسَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، و قَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ طُوَى بِالْضَّمِّ مِثْلِ طِوَى بِالْكَسْرِ و هي الشيء الْمُثَنَّىْ، أَيْ طِوى مَرَّتَيْنِ أَيْ قُدِّسَ، و هَذَا الوادي غَيْـرِ ذُو طُوَى بِالْقَصْرِ لأَنَّ هَذَا وادٍ بِمَكّةَ، و ذُو طَوَاءِ مَمْدُوْدٍ مَوْضِعٌ بِطَرِيْقِ الْطَّائِفِ و قِيَلَ وادٍ، أَمَّا (الْشَّاطِئُ) فَهُو جَانِبِ الْوَادِيْ، و أَمَّا (الأَيْمَنُ) فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ الأَكْثَـرُ يُمْنَاً و بَرَكَةً و هَذَا يُنَاسِبُ أَجْوَاءَ الْحَدَثِ، و قَدْ يَكُوْنُ الْجَانِبُ الَّذِيْ عَلَىَ يَمِيْنِ الْوَادِيْ و الَّذِيْ يُحدِّدِهُ مَسِيْلُ الْمَاءِ مِنْ جِهَةِ الْيَمِيْنِ و جِهَةِ الْيَسَارِ أَو تَعْنِي الجَبَلَ الَّذِي فِي سَفْحِهِ زَرْعٍ.
فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ: الْبُقْعَةُ هِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الأَرْضِ الَّتِيْ تَتَمَيَـّزُ عَنْ غَيْرِهَا و هِيَ مُبَارَكَةٌ و الْشَّجَرَةُ هِيَ فِيْ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ أَيْضاً، فَيُصْبِحُ الْمَعْنَىْ أَنَّ الْنِّدَاءَ كَانَ فِيْ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ و بِالذَّاتِ مِنْ الْشَّجَرَةِ، أَو بِعِبَارَةٍ أُخْرَىَ: (فِيْ الْشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ) الْمَوْجُوْدَةِ فِيْ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الْجَانِبِ الأَكْثَـرُ بَرَكَةً فِيْ الْوَادِ الْمُقَدَّسِ الَّذِيْ يَقَعُ عِنْدَ جَبَلِ الْطُّورِ.. هُنَاكَ كَانَ الْنِّدَاءُ الْجَلِيْلِ فِيْ أَجْوَاءِ الْقُدْسِيَّةِ و الْبَرَكَةِ، و هُو نِدَاءٌ سَيُقَدِّسُ و يُطَهِّرُ و يَفِيْضُ بِالْبَرَكَاتِ عَلَىَ مَنْ آَمَنَ مِنْ الْنَّاسِ، و لَكِنْ ابْتِدَاءً سَتَفِيْضُ الْبَرَكَاتُ مِنْ الْلَّهِ I عَلَىَ كُلِّ مَنْ حَضَرَ الْمَوْقِفِ.
و مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ: و هُو الْجَبَلُ الْمُجَاوِرُ لْجَبَلِ الْطُّورِ، و مَا أَدْرَاكَ مَا جَبَلُ الْطُّورِ (راجع سورة الطور).
فِيْ هَذَا المكان كان الْحَدَثُ الْجَلِيْلِ حَيْثُ كَانَ الْكَلامُ بَيْنَ الْحَقِّ I و كَلِيْمَهُ مُوْسَىْ u، فَقَدْ احْتَوَىْ الْلِّقَاءِ عَلَىَ كَلِمَاتٍ و مَعَانِيْ و مُعْجِزَاتٍ عَظِيْمَةٍ، فَلَعَلَّنَا نَقْتَبِسُ مِنْ هَذَا الِّلقَاءِ ومَضَاتٍ قُرْآنِيَّةِ.
أَكَادُ.. فِيْ سِيَاقِ كَلامِ الْحَقِّ I مَعَ مُوْسَىْ u في اللقاء الأول يَقُوْلُ {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} طه: 15، أُشْتَهِرَ عِنْدَ بَعْضِ الْنَّحْوِيِّيْنَ أَنَّ إِثْبَاتَ “كَادَ” نَفْيٌ، و أَنَّ نَفْيَهَا إِثْبَاتٌ و هَذَا الْمَشْهُوْرُ، “كَادَ” إِثْبَاتُهَا نَفْيٌ، و نَفْيُهَا إِثْبَاتٌ، فَإِذَا قُلْتَ: “كَادَ زَيْدٌ يَفْعَلُ|” فَهُو لَمْ يَفْعَلْ، تَدُلُّ الْجُمْلَةُ عَلَىَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ و “كَادَ يَفْعَلُ”، فَقَالُوَا: إِذا نَفَتِ الْفِعَلُ و هُو مُثْبَتٌ فَإِثْبَاتُهَا نَفْيٌ، و نَفْيَهَا إِثْبَاتٌ، على سبيل المثال:
– {…فَذَبَحُوهَا و مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} البقرة: 71،
– {أَو كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا و مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}
فَهُو قَدْ رَآَهَا، إِذَنْ “لَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ” فَهُو فَعَلَ لَكِنْ لَمْ يَكَدْ، فَيَكُوْنُ نَفْيُهَا إِثْبَاتاً، و لَكِنَّ الْصَّحِيْحَ خِلافُ ذَلِكَ، الْصَّحِيْحُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الأَفْعَالِ: إِثْبَاتُهَا إِثْبَاتٌ و نَفْيُهَا نَفْيٌ، و لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ نَفْيُهَا إِثْبَاتَا إِلاَّ بِقَرِيْنَةٍ.. و الْقَرَائِنُ لَهَا أَحْوَالٌ، و هَذَا الَّذِيْ رَجَّحَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِيْ (الْمُغْنِيَ)، و هُو الصَحِيْحٌ، فَمَثَلاً إِذَا قُلْتَ: “كَادَ الْطَّالِبُ يَفْهَمُ” صَحِيْحٌ مَا فَهِمَ لَكِنْ قَارَبَ الْفَهْمَ، فَإِذَا قُلْتَ: “كَادَ يَفْهَمُ”، مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَرِيْبٌ مَا يَفْهَمُ، فَهَذَا إِثْبَاتٌ، إِذاً إِثْبَاتُهَا إِثْبَاتٌ، و هُو مَدْلُوْلُ كَلِمَةُ “كَادَ”، و فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَىْ: فَذَبَحُوْهَا و مَا كَادُوْا يَفْعَلُوْنَ، قَالُوْا: إِنَّهُمْ ذَبَحُوْهَا، و لَـمَّا قَالَ و مَا كَادُوْا يَفْعَلُوْنَ و هُمْ قَدْ فَعَلُوْا، فَفَهِمْنَا أَنَّهُمْ فَعَلُوْا لَيْسَ مِنْ و مَا كَادُوْا يَفْعَلُوْنَ، بَلْ مِنْ قَوْلِهِ: فَذَبَحُوْهَا، إِذن فَقَوْلُهُ و مَا كَادُوْا يَفْعَلُوْنَ هَذَا تَشْنِيعُ عَلَيْهِمْ، يَعْنِيْ أَنَّهُمْ فَعَلُوْا بَعْدَ أَنْ كَادُوْا لَنْ يَفْعَلُوَا، و فِيْ آَيَةٍ الْظُّلُمَاتِ يُمْكِنُ يَرَىَ يَدَهُ و لا يُقَارِبْ أَنَّ يَرَىَ يَدَهُ، إِذا فَنَفِيُهَا نَفِيٌ و هَذَا هُو الْوَاقِعُ.
أَصْلُ “كَادَ” بِمَعْنَى قَرُبَ، و لَيْسَتْ بِمَعْنَى فَعَلَ، و إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى قَرُبَ فَقَوْلُ: كَادَ يَفْعَلُ مُثْبَتْ و يَعْنِيْ: قَرُبَ أَنْ يَفْعَلَ، و قَوْلَنَا (لَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ) لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْفَعْلِ، و عِنْدَمَا يَقُوْلُ I أَكَادُ أُخْفِيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَعْنِيْ أَنَّهُ لَمْ يُخْفِهَا.. و إِنْ كَانَ احْتِمَالُ إِخْفَائِهَا قَرِيْبَاً جِدّاً و هَذَا يَعْنِيْ أَنَّ الْسَّاعَةَ ظَاهِرَةٌ.
و إِذَا قُلْنَا أَنَّ هَذَا الْكَلامَ خُوْطِبَ بِهِ مُوْسَىْ u أَيْ قَبَلَ مَا يُقَارِبُ الـ 3400 سَنَةً، و لا نَدْرِيْ كَمْ بَقِيَ مِنْ الْزَّمَنِ حَتَّىَ تَقُوْمَ و تَتَوَقّفُ الْسَّاعَةُ فَتَقَعَ، و هَذَا زَمَنٌ أَطْوَلَ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ قَرِيْبَاً، فَفِيْ أَبْحَاثِ الْعُلَمَاءِ الَّذِيْنَ يُشِيْرُوْنَ إِلَىَ مِلْيَارَاتِ الْسِّنِيْنَ الَّتِيْ مَرَّتْ عَلَىَ هَذَا الْكَوْنِ الْمَخْلُوْقِ، فَإِذَا عَرَفْنَا هَذَا أَدْرَكْنَا أَنَّ الأَلْفَ سِنَةٍ مَا هِيَ إِلاَّ فَتْرَةً صَغِيْرَةً قِيَاساً إِلَىَ عُمْرِ الْكَوْنِ الْطَّوِيْلِ.
****
{وَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ولَّى مُدْبِرًا و لَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ و لَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ و اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ و مَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} القصص: 31 – 32 |
إِنَّ الْلَّهَ I يُرْسِلُ رُسُلَهُ بِمُعْجِزَاتٍ تُنَاسِبُ الُمَجْتَمَعَ و الْمَجَالَ الَّذِيْ بَرَعُوا فِيْهِ، و اخْتَارَ الْرَّبُ I الْعَصَا لِتَكُوْنَ الْمُعْجِزَةَ الأُوْلَىْ لِمُوْسَى u أَمَامَ فِرْعَوْنَ، {وَ مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا و أَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي و لِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } طه: 17 – 20، أَلْقِهَا فِعْلُ أَمْرٍ جُزِمْ بِحَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ، لِذَلِكَ لا يُوْجَدُ يَاءٌ.. و إِنَّمَا الْهَاءِ بَعْدَ الْقَافِ مُبَاشَرَةً.. فاسْتَجَابَ الْكَلِيْمُ u لأَمْرِ رَبِّهِ فَأَلْقَىَ الْعَصَا.. فَإِذَا فُجَّائِيَّةٌ.. فَجْأَةً إِذَا بِهَذِهِ الْعَصَا الَّتِيْ يَعْرِفُهَا جَيِّدَاً تَنْقَلِبُ إِلَىَ حَيَّةٍ، و جَاءَ فِيْ بَعْضِ الآَيَاتِ ثُعْبَانٌ و فِيْ بَعضِ الآَيَاتِ جَآنٌ.. و الْجَمْعُ بَيْنَهَا أَنَّهَا حَيَّةً فِيْ ضَخَامَتِهَا، و ثُعْبَانٌ فِيْ تُلَوِّنُهَا، و جَآنٌ فِيْ خِفَّتِهَا، فَهِيَ تَتَنَقَّلُ و تَسَبَحُ فِيْ الأَرْضِ و تَجُوْلُ.. و من الملاحظ أن هذه العصا صنعها موسى u لنفسه من غصن شجرة الزيتون و التي تساوي كروموسوماتها (46كروموسوماً) عدد كروموسومات الإنسان.. مما يسهل انتقال الطاقة النورانية من جسم موسى إلى العصاة.. و كَانَ لِهَذِهِ الْعَصَا ثَلاثُ تَحَوّلاتٍ:
الْتَّحَوّلُ الأَوَّلِ لِلْعَصَا {وَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ولَّى مُدْبِرًا و لَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ و لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} القصص: 31، فَاهْتِزَّازَ الْعَصَا بِتَـرَدُّدٍ عَالِيْ كَأَنَّهَا جَانٌّ جَعَلَ مُوْسَىْ u يُوَلِّيَ مُدْبِرَاً و لا يَلْتَفِتَ فَأَمَّنَهُ الْلَّهُ I و أَبْلَغَهُ أَنَّهُ رَسُوْلٌ {…يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} النمل: 10، رَسُلٌ إِلَىَ مَنْ يَفْتَخِرُ بِقُوَّةِ الْسِّحْرِ و يَجْعَلُ الْثُعْبَانَ لَهُ شِعَارَاً فِيْ الْمَعَابِدِ و عَلَىَ أَعْلامِ دَوْلَتِهِ.. و بَعْضَهُمْ اتَّخَذُوْهُ آَلِهَةً، و نَجِدُ أَنَّ الْلَّهَ I قَدْ شَبَّهَ اهْتِـزَازَ الْعَصَا بِاهْتِزَازِ الْجِنِّ، عَلَىَ الْرُغْمِ مِنْ كَوْنِنَا لَمْ نُشِاهِدْ الْجِنَّ، إِلاّ أَنَّنَا قَدْ عَلِمْنَا مِنْ الآَيَةِ الْكَرِيْمَةِ حَقِيْقَةً مِنْ حَقَائِقِ عَالَمِ الْغَيْبِ، أَلاَ و هِيَ أَنَّ الْجِنَّ مَخْلُوْقَاتٌ ذَاتُ اهْتِـزَازٍ بِتَـرَدُدٍ عَالِيْ، و فِي الفِيزِيَاءِ الطَّاقَةُ عِبَارَةً عَنْ مَوْجَاتٍ كَهرُومِغْنَاطِيسِيَّةٍ.. و مَتَى مَا زَادَتْ سُرْعَةُ حَرَكَةِ الجِسْمِ عَنْ سُرْعَةِ الضَّوْءِ اِنْتَقَلَ مِنْ كَوْنِهِ جِسْمٌ إِلَى طَاقَةٍ.. و هَذَا مَا اِكْتَشَفَهُ آينشتاين فِي مُعَادَلَتِهِ الشَّهِيرَةِ E=mc2.. لِهَذَا أَرَى أنَّ سُرْعَةَ الضَّوْءِ هِيَ الطَّبَقَةُ الفَاصِلَةُ بَيْنَ عَالَمِنَا المَحْسُوسُ و عَالَمُ اَلَجِنِ الخَفِيُّ.. و لقد كانت هناك محاولات متعددة للعلماء في تحديد سُرْعَةُ الضَّوْءِ حيث كان أول من حاول اِكْتَشَافَها رقمياً أولي رومر برقم قريب من القيمة الحقيقية و التي تَسَاوِي: ٢٩٩,٧٩٢.٥ كلم/الثَّانِيَة، كما بَيّنَ القُرْآنُ الكَرِيمُ أَنَّ اِلْجَانّ مَخْلُوقٌ مِنْ قَبْلِ الإِنْسَانِ مِنْ مَا رَجٍ مِنْ نَارٍ بُقُولِهِ تَعَالَى {وَ خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} الرحمن: 15.. و كما نعلم أن النار هي شكل من أشكال الطاقة.
الْتَّحَوُلُ الْثَّانِيَ كَانَ عِنْدَ الْلِّقَاءِ الأول مَعَ فِرْعَوْنَ في قصره {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} الأعراف: 107 ثُعْبَانٌ مُبِيْنٌ ضَخْمٌ يُخِيْفُ مَنْ يَرَاهُ، و كَانَتْ مُعْجِزَةٌ بَيِّنَةٌ أَمَامَ فِرْعَوْنَ و مَلَئِهِ مِنْ الْفَرَاعِنَةِ و مِنْ بَنِيَ إِسْرَائِيْلَ.
الْتَّحَوُّلُ الْثَالِثِ فِيْ الْلِّقَاءِ مَعَ الْسَّحَرَةِ {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} الشعراء: 45 و بِهِ انْتَصَرَ مُوْسَىْ u عَلَىَ الْسَّحَرَةِ {وَ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} الأعراف: 117 و لَقَفَتْ الْعَصَا الْثُعْبَانُ كُلَّ مَا صَنَعَهُ الْسَّحَرَةُ.
الأَثَرُ الْرَّابِعِ عِنْدَ خُرُوْجُ بَنِيَ إِسْرَائِيْلَ مِنْ مِصْرَ و مُطَارَدَةِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ و وُقُوْفِهِمْ أَمَامَ الْبَحْرِ حيث اسْتَخْدَمَ مُوْسَىْ u الْعَصَا لِشَقِّ الْبَحْرَ {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} الشعراء: 45.
أَثَرٌ خَامِسٌ كَانَ لِلْعَصَا بَعْدَ أَنْ عَبَرَ بَنِيَ إِسْرَائِيْلُ الْبَحْرَ {وَ إِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا و اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ و لا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} البقرة: 60، {وَ قَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا و أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ و ظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ و أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ و السَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ و مَا ظَلَمُونَا و لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} الأعراف: 160، أَنْ فَجَّرَتْ مِنْ الْصَّخْرِ عُيُوْنَاً، فَالإِنْسَانُ حِيْنَ يَسْتَسْقِيَ الْلَّهَ I يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْهِ غيثاً مِنْ الْسَّمَاءِ، فَالْحَقُّ I قَادِرَاً عَلَىَ أَنْ يُنَزِّلٍ عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيْلَ غيثاً مِنْ الْسَّمَاءِ، و لَكِنَّ الْلَّهَ I أَرَادَ أَنْ تَكُوْنَ آَيَةٌ و مُعْجِزَةٌ لِبَنِيْ إِسْرَائِيْلَ فَقَالَ سَأَمَدُكُمْ بِمَاءٍ و لَكِنْ مِنْ جِنْسِ مَا مَنَعَكُمْ الْمَاءُ و هُو الْحَجَرُ الْصَّلْبُ الْمَوْجُوْدُ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ، و الَّذِيْ لا يَتَأَثَّرَ بِضَرْبِ الْعَصَا.. فَتَتَحَطَّمُ الْعَصَا و الْحَجْرُ لا يَحَدِثُ فِيْهِ شَيْءٌ، و لَكِنَّ الْلَّهُ أَرَادَ بِضَرْبَةٍ واحدة مِنْ الْعَصَا أَنْ يَنْفَلِقَ الْحَجَرُ، إِنَّ انْفِجَارَ الْمَاءِ مِنْ ضَرْبَةِ الْعَصَا دَلِيْلٌ عَلَىَ أَنَّ الْعَصَا أَشَارَتْ فَقَطْ إِلَىَ الْصَّخْرَةِ فَتَفَجَّرَ مِنْهَا الْمَاءُ، لِيَعْلَمُوَا أَنَّ الْلَّهَ يَسْتَطِيْعُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَاءِ مِنْ الْحِجْرِ الصَّلَبِ و أَنَّ نَبْعَ الْمَاءِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ “كُنْ“.
و بَعْدَ آية الْعَصَا فِيْ مُوَاجَهَةِ قُوَّةِ سِحْرِ فِرْعَوْنَ كَانَتْ آية الْيَدِ الْبَيْضَاءِ {وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى}طه: 22، و هِيَ رَمْزُ الْسَّلامِ لِتَنْفِيْذِ الْمُهَمَّةِ الَّتِيْ جَاءَ مِنْ أَجْلِهَا مُوْسَىْ u و هِيَ تَحْرِيْرُ بَنِيَ إِسْرَائِيْلَ مِنْ عُبُوْدِيَّةِ و طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}الأعراف: 105، و مِنْ زَاوِيَةٍ عِلْمِيَّةٍ أُخْرَىَ نَجِدُ أَنَّ الْحَقَّ I تَحَدَّىْ بِهَذَا الْتَّحَوُلِ بَرَاعَةَ الْفَرَاعِنَةِ فِيْ عِلْمِ الْكِيَمْيَاءِ الَّذِيْ وصلوْا فِيْهِ إِلَىَ عِلْمِ الْتَّحْنِيطِ و بَقِىَ أَثَرُ عِلْمِهِمْ و تَحْنِيطَهُمْ إِلَىَ عَصْرِنَا هَذَا، و كَانَ الكِيميَائيُونَ الْمُحَنَّطِينَ هُمْ أَغْلَىْ الْنَّاسِ أُجُوْرَاً بِهَذَا الْعَمَلِ، و لَمْ يَسْتَطِعْ فِرْعَوْنَ أَنْ يُجَارِيَ هَذِهِ الآية الَّتِيْ تُمَثِّلُ تَغَيّـراً كِيْمْيَائِياً سَرِيْعاً يُحَوِّلُ الْيَدَّ مِنْ الْلَّوْنِ الأَسْمَرِ إِلَىَ الأَبْيَضِ و تَعُوْدُ مَرَّةً أُخْرَىَ لِوَضْعِهَا الْطَّبِيْعِيَّ {وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ و قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} النمل: 12.
{اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ و اضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ و مَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} القصص: 32.. نَسْتَفِيْدُ مِّنْ الآْيَةِ أَنَّ ضَمَّ الْيَدَ إِلَىَ الْجَنَاحِ و الْمَسْحِ بِهَا عَلَىَ الْقَلْبِ تُقَلِّلُ مِنْ سُرْعَةِ دَقَّاتِ الْقَلْبِ و تُهَدِّئُ الإِنْسَانَ الْخَائِفَ، فَبمَسْحّةٍ مِنْ الْيَدِّ الْيُمْنَىَ عَلَىَ الشِّقِّ الأَيْسَرِ مِنْ الْصَدْرِ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا فَعَلَهَا أَيُّ إِنْسَانٍ فِيْ وقت فَزَعِهِ أَنْ يَقْوَىَ قَلْبُهُ، و هَذِا الأَثَرُ يَنْتِجُ مِنْ حَقْلِ الْنَّفْسِ الإِيْجَابِيِّ الْسَّائِرُ خِلالَ جَسَدِ الإِنْسَانِ و الَّذِيْ نُشَاهِدُهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ عَلَىَ مَرِيْضٍ مَعَ وضع الْيَدِ اليمنى (مخرج الطاقة) عَلَىَ مَوْضِعِ الْمَرَضِ و الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِالْيَدِ.
****
نعم كان الخطاب و الكلام بين موسى كليم الله و الخاق U باللغة التي نزلت فيها التوراة.. و هي العبرية فَبَعْدَ أَنْ أَمْضَى مُوسَى u عَشْرَ سَنَوَاتٍ يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.. و خَاطَبَهُ رَبُّهْ بِاللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ.. و أَرْسَلَهُ اَلْحَقُ I إِلَى فِرْعَوْنِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ اللُّغَةَ الهيروغليفية.. لهذا طَلَبَ مُوسَى u مِنْ رَبِّهِ {وَ أَخِي هَارُونُ هُو أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} القصص: 34 فَمِنْ مُرَادِفَاتِ كَلِمَةِ أَفْصَحُ (فعل) هِيَ أَبَانَ، أَبْدَى، أَظْهَرَ، أَعْرَبَ، أَوْضَحَ، بَيَّنَ، شَرَحَ، صَرَّحَ، عَبَّرَ، فَسَّرَ، لَمَّحَ، و ضَّحَ، كَشَفَ و أَمَّا أَضْدَادُ كَلِمَةِ أَفْصَحُ (فعل) هِيَ أَبْهَمَ، أَخْفَى، أَسَرَّ، أَشْكَلَ، أَضْمَرَ، الْتَبَسَ، تَرَدَّدَ، تَلَعْثَمَ، خَبَّأَ، سَتَرَ، عَيِيَ، غَمَضَ، كَتَمَ، كَنَّ من قاموس المعاني.. و لِهَذَا كَانَ طَلَبُهُ مِنْ رَبِّهْ {وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} طه: 27 – 28، يَنْفِي عَنْهِ مَا يَرْمِي بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْبِيَاءُهُمْ مِنْ العُيُوبِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا و كَانَ عِنْدَ اللَّهِ و جِيهًا} الأحزاب: 69.. فَقَالُوا أَنَّهُ الْتَغُ أَوبِهِ رَتّةً.. كَمَا قَالُوا أَنَّهُ آدِرْ، فَقَدْ رُوَيَ إِنَّ مُوسَى u كَانَ رَجُلاً حَيِيّاً سِتِّيراً، لا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اِسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلاَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ؛ إِمَّا بَرَصٍ، و إِمَّا أدْرَةٍ، و إِمَّا آفَةٍ. و إِنَّ اللهَ أَرَادَ أَنَّ يُبرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلاَّ يَوْمًا وحده، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الحَجَرِ، ثُمَّ اِغْتَسَلَ، فِلْمًا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، و إِنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ و طَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ! ثَوْبِي حَجَرُ! حَتَّى أَنْتَهِىَ إِلَى ملإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَاناً أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، و أَبْرَأُهُ مِمَّا يَقُولُونَ، (قَالُوا: و اللهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ) و قَامَ الحَجَرُ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، و طَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهِ، فَوَاللهِ! إِنَّ بِالحَجَرِ لندباً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ؛ ثلاثاً أَو أربعاً أَو خمساً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا و كَانَ عِنْدَ اللَّهِ و جِيهًا} الأحزاب: 69 صحيح الألباني.
رشّح موسى u أخاه هارون للنبوة.. هَارُونُ يعني (جُبِيْلْ).. فالقُرْآنُ الكَرِيمُ يُجَانِسُ بَيْنَ هَارُونَ و القُوَّةُ و الشِّدَّةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ U {وَ اجْعَلْ لِي وزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} طه: 29 – 31، و قَوْلِهِ U {وَ أَخِي هَارُونُ هُو أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ و نَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا و مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} القصص:34-35.
“هَارٍ” بِالعِبْرِيَّةِ تَعْنِي الجَبَلَ و زِيَادَةَ الأَلْفِ و النون بِالعِبْرِيَّةِ دَلالَةً عَلَى التَّشْبِيهِ أَو التَّصْغِيرِ فَتَصَبِحَ “هَارُونُ“ و يكنّى بِهَا فِي العِبْرِيَّةِ عَنْ الثَّبَاتِ و الصُّمُودِ، كَمَا تَقُولُ العَرَبُ فِي «جَبَلَ، جبيل، جَبَلَة»، و كَذَلِكَ فَسَّرَهُ القُرْآنُ بِالمُقَابَلَةِ فِي قَوْلِهِ U {وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ و أَلْقَى الأَلْوَاحَ و أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي و كَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ و لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}الأعراف: 150.
****