{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} يوسف: ٤ |
الآوْىّ.. أَصْلُ كَلِمَةِ يُوسُفَ بِالعِبْرِيَّةِ مُشْتَقٌّ مَنْ “أسَفْ” أَو بِالعَرَبِيَّةِ “الجَامِعُ” و مِنْ مَعَانِيهِ اللَّمُّ وَ الضَّمُّ و الإيواء وَ الضِّيَافَةُ، وَ صَدَّقَ الحَقُّ U بُقَولِهِ {وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يوسف: ٦٩ و قَالَهَا لأَبَويْة {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} يوسف: ٩٩.
لَقَدْ كَانَ لِيَعْقُوْبَ u مَعَ أَبْنَائِهِ الإثنى عَشَرَ قِصَّةٌ تَنْفَرِدُ بِهَا سُوْرَةُ يُوَسُفَ كَامِلَةً، و تَحْتَوِيْ هَذِهِ الْسُّوْرَةُ وَصْفاً مُتَنَاهِيَ الدِّقَّةُ فِيْ أُمُوْرٍ شَتَّىْ تَارِيْخِيَّةٌ و عِلْمِيَّةٌ و أَدَبِيَّةٌ.. تَسْتَهِلَ سُوْرَةُ يُوَسُفَ بِرُؤْيَاهُ {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} يوسف: ٤، و يُدْرِكُ الأَبُ الْنَّبِيِّ u أَنَّ هَذِهِ الْرُّؤْيَا تَرْمِزُ إِلَىَ اصْطِفَاءِ وَلَدِهِ يُوَسُفَ و أَنَّ هَذَا الْغُلامُ سَيَكُوْنُ رَسُوْلاً مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ أَبِيْهِ الْنَّبِيِّ، لأَنَّهُ بِسُجُودِ وَالِدِيهِ لَهُ سَيَكُوْنُ رَسُوْلاً نَبِيّاً و الْرَّسُوْلُ هُو مَنْ أُمِرَ بِتَبْلِيْغِ الْرِّسَالَةِ و لَهُ شَرَعٌ.. أَمَّا النَّبِيِّ هُو مَنْ تَلَقَّىْ الْنَّبْوَةَ و لَمْ يُؤْمَرْ بِالْتَّبْلِيْغِ.
مُسَارِعَةُ يُوْسُفُ فِيْ عِرْضِ رُؤْيَاهُ عَلَىَ وَالِدِهِ تَظْهَرُ فِيْ قَوْلِهِ رَأَيْتُ بِصِيَغَةِ الْمَاضِيْ.. بَيْنَمَا الْمَلِكُ الْوَارِدَةُ قِصَّتُهُ فِيْ الْسَّوْرَةِ فَقَدْ تَرَيَّثْ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَ رُؤْيَاهُ عَلَىَ الْمَلأِ {وَ قَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى…} يوسف: ٤٣، فَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ أَرَىَ يَدُلُّ عَلَىَ تَكْرَارِ رُؤْيَا الْمَلِكِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضُهَا عَلَىَ المُسْتَشَارِينَ، و كَذَلِكَ الأَمْرُ فِيْ رُؤْيَا صَاحِبِيِّ الْسِّجْنِ {وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَ قَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} يوسف: ٣٦.
****
{وَ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يوسف: 6 |
و لَقَدْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا وَهَبَ الْلَّهُ لِيُوَسُفَ u الْعِلْمُ.. وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ..
· {وَ قَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَ اللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} يوسف: 21
· {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} يوسف: 101
الأحاديث هي العلوم و القصص.. و سيدنا يوسف u كان عنده مهارة تعبير الرؤى و هو جزء من قبل تأويل الأحاديث (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ) و هذا التأويل ليس لرؤيا.. بل من علم تأويل الأحاديث.. فسيدنا يوسف u كان عنده القدرة على قراءة تغير الأحداث التي تحصل للعالم الخارجي و يفهم أصولها و جذورها و يربطها ببعض و هذا هو تأويل الأحاديث.. و من يمتلك مفاتيح أو جزءاً من علم تأويل الأحاديث يستطيع أن يعرف مستقبله الشخصي.
و تَسْتَمِرُّ قِصَّةُ يُوَسُفَ بِتَأْوِيْلِ الْرُؤَى.. يَؤُوّلُ رُؤْيَا السَّجِيْنِينِ.. و اِطَلاعِهِمَا عَلَىَ الْمُسْتَقْبَلِ قَبْلَ حُصُوْلِهِ، و تَكُوْنُ هَذِهِ الْرُّؤْيَا سَبَبَاً فِيْ خُرُوْجِهِ مِنْ الْسِّجْنِ.. حَيْثُ تُصْبِحُ الْمِفْتَاحَ لتَفَعِيلِ رُؤْيَا الْمَلِكِ الَّتِيْ كَانَتْ مُجَلِّيةً و مُسُرِّعَةً لِظُهُوْرِ تَأْوِيْلِ رُؤْيَا يُوَسُفَ، فَتَبْقَى رُؤْيَا يُوَسُفَ u هِيَ الْبَدَايَةُ و الْنَّهَايَةُ و كَذَلِكَ الْمُقَدِّمَةُ و الْنَّتِيجَةُ لِلْقِصَّةِ كُلِّهَا.
إِنَّ الْقُرْآَنَ الْكَرِيْمَ فِيْ هَذِهِ الْقِصَّةِ يَصِفُ لَنَا ثَقَافَةَ الْمُجْتَمَعِ الْلُّغَوِيَّةِ و الاجْتِمَاعِيَّةِ، و إِمْكَانِيَّاتِهِ الْعِلَمِيَّةِ و الْمَادِّيَّةِ و الْعَسْكَرِيَّةِ.
****
{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَ إِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَ جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَ مَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَ لَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَ جَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} يوسف : 11 – 18 |
بعد أن أخبـر يوسف أباه الرؤيا.. و يعقوب u هو نبي، فقد تمكّن يعقوب من تفسير الرؤيا بما علّمه الله I :
· {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} يوسف: ٨٦،
· {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} يوسف: ٩٦،
· {وَ لَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَ إِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} يوسف ٦٨.
و من بداية الحوار بين يعقوب u و أبنائه، قد أوحى الله إلى يعقوب، وَ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لَا يَشْعُرُونَ.. أوحى إليه بأنهم سيدّعون أن الذئب أكل يوسف فقال لهم (وَ أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ).. و بالفعل ذهبوا و عادوا ليقصوا على أبيهم قصة الذئب.. ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَ تَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ.. فلم يعنّفهم أبوهم و هو (يعلم) أن ابنه لم يمت و لم يأكله الذئب.. و إنما ذهب في طريق الرسالة و إلى مقام أعلى من مقام يعقوب u نفسه، فقال u فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ.
****
{وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَ قَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَ اللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} يوسف: 20 – 21 |
· فِيْ الْجَانِبِ الْلغوّي:
تَبْدَأُ قِصَّةُ يُوَسُفَ u بِإِلْقَائِهِ فِيْ الْجُبِّ، و مِنْ بَدِيْعِ الْبَيَانِ فِيْ الْلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمُ كَلِمَةُ شَرَى، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّ شَرَى و اشْتَرَىْ كَلِمَتَانِ إِحْدَاهُمَا عَكْسُ الأُخْرَى، و مَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ بَعْضَ الْتَغَيُّرِ فِيْ إِحْدَىَ الْكَلِمَتَيْنِ يَجْعَلُهَا تَدُلُ عَلَىَ مَعْنَى الأُخْرَى الْمُناقِضِ لَهَا، فَكَلِمَةُ بَاعَ إِذَا أَصْبَحْتُ ابْتَاعَ دَلَّتْ عَلَىَ عَكْسِ الْبِيَعِ و هُو الْشِّرَاءُ تَقُوْلُ: “ابْتَاعَ شَيْئاً” أَيْ اشْترِى ذَلِكَ الْشَّيْءِ، و كَلِمَةُ اشْتَرَىْ إِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَىَ شَرَى أَصْبَحَ مَعْنَاهَا بَاعَ، أَيْ عَكْسُ كَلِمَةِ اشْتَرَىْ، هَذَا فِيْ الْلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ و فِيْ الْمُصْطَلَحَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَيْضاً.
يَقُوْلُ I {وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} يوسف: ٢٠، أَيْ أَنَّهُمْ بَاعُوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، و يَقُوْلُ عَنْ ذَلِكَ الَّذِيْ اشْتَرَىْ {وَ قَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا…} يوسف: ٢١.. فَنُلاحِظُ مِنْ هَذِهِ الآَيَتَيْنِ أَنَّ شَرَوْهُ و اشْتَرَاهُ مُتَضَادّتَانِ.
· كَلِمَةُ شَرَى بِمَعْنـَى بَاعَ فَيَقُوْلُ I {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَ مَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} النساء: ٧٤، أَيْ الَّذِيْنَ يَبِيْعُوْنَ الْحَيَاةَ الْدَّنْيَا بِالآَخِرَةِ، و يَقُوْلُ I {وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} البقرة: ٢٠٧.
· كَلِمَةُ اشْتَرَىْ بِمَعْنَاهَا الْمُعْرَوْفُ و هُو الْشِّرَاءُ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَ ذَلِكَ هُو الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة: ١١١، اشْتَرَىْ أَيْ دَفَعَ الثَّمَنَ و اسْتَلَمَ السِّلْعَةَ و هِيَ عَكْسُ بَاعَ.
· كَلِمَةُ الْبَيْعِ تَدُلُّ عَلَىَ الْبَيْعِ والْشِّرَاءِ مَعَاً أَو الْتِّجَارَةِ {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقَامِ الصَّلاةِ وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الأَبْصَارُ} النور: ٣٧، فَكَلِمَةُ بَيْعٍ هُنَا جَاءَتْ مُرَادِفَةً لِكَلِمَةِ تِجَارَةٍ و تَشْمَلُ الْشِّرَاءَ مَعَ الْبَيْعِ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ I {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} الجمعة: ٩، أَيْ ذَرُوْا الْبَيْعَ و الشِّرَاءَ و الْخِطَابُ لِلْتُجَّارِ و لِلْزَبَائِنِ مَعَاً.
الْنَّتِيجَةُ أَنَّ شَرَى هِيَ بَاعَ و عَكْسِهِمَا اشْتَرَىْ و ابْتَاعَ.
الْدَّرَاهِمُ و الْدَنَانِيرُ.. يُعْطِيَنَا الْقُرْآَنُ شَوَاهِدَ تَارِيْخِيَّةً عَنْ وَسَائِلِ الْبِيَعِ و الْشِّرَاءِ آَنَذَاكَ {وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} يوسف: ٢٠، الأَمُرُ الَّذِيْ يَدُلُّ عَلَىَ وُجُوْدِ الْدَّرَاهِمَ كَعُمْلَةٍ نَقْدِيَّةٍ فِيْ الْشَّامِ و مِصْرَ فِيْ عَصْرِ الْهِكْسُوسِ الَّذِيْ حَدَثَتْ فِيْهِ قِصَّةُ يُوَسُفَ u، و قَوْلُهُ I بِثَمَنٍ بَخْسٍ يَدُلُّ عَلَىَ أَنَّ الْدِّرْهَمَ كَانَ عُمْلَةً ضَئِيْلَةً فِيْ حِيْنِهِ، و ظَلَّ مُحْتَفِظَاً بِهَذِهِ الْقِيْمَةِ الْضَّئِيْلَةِ حَتَّىَ فِيْ عَهْدِ الْدَوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ.. و لَفْظُ الْدَّرَاهِمَ مُشْتَقٌ مِنْ الدِراخِمَةَ الْيُونَانِيَّةِ.. و انْتَقِلْ مِنْ الْيُوْنَانِ إِلَىَ بِلادِ فَارِسٍ حَيْثُ أَصْبَحَ الْعُمْلَةَ الْمُتَدَاوَلَةَ فِيْ الْشَّرْقِ.. و مِنْهَا وَصَلَ إِلَىَ الْجَزِيْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ قَبْلَ و بَعْدَ الإِسْلامِ، و قَدْ كَانَ الْعَرَبُ يُطْلِقُونَ عَلَىَ الْدَّرَاهِمَ الْفِضِّيَّةِ كَلِمَةَ الْوَرِقَ، و فِيْ عَصْرِ الْرَّسُوْلِ ﷺ اسْتَمَرَّ الْتَّعَامُلُ بِالْدَّرَاهِمَ فَزَوَّجَ الْرَّسُوْلُ ﷺ عَلَيَّاً بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ t مِنْ فَاطِمَةَ رضي الله عنها عَلَىَ صَدَاقٍ قَدْرُهُ ٤٨٠ دِرْهَمَاً، و كَانَتْ الْزَّكَاةُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فِيْ كُلِّ خَمْسِ أُوْقِيَّاتٍ مِنْ الْفِضَّةِ.. و فِيْ ذَلِكَ الْوْقِتُ كَانَ الْدِّرْهَمُ الْفَارِسيّ الَّذِيْ عَرِفَهُ الْعَرَبُ عِبَارَةً عَنْ قِطَعٍ مُسْتَدِيْرَةٍ مِنْ الْفِضَّةِ عَلَىَ أَحَدِ وَجْهَيْهِ صُوْرَةُ كِسْرَىْ وعَلَىَ رَأْسِهِ الْتَّاجُ الْسَّاسَانِيُ الْمُجَنَّحَ، و عَلَىَ الْوَجْهِ الْثَّانِيَ صُوْرَةٌ لِمَعْبَدٍ يَحْرُسُهُ حَارِسَانِ.. كَمَا تُوْجَدُ كِتَابَاتٍ فَارِسَيَّةٍ و صُوْرَةٌ لِبَعْضِ الْكَوَاكِبِ، و قَدْ ظَلَّتْ هَذِهِ الْدَّرَاهِمَ بِرُسَومُهَا مُتَدَاوَلَةٌ فِيْ عَهْدِ الْرَّسُوْلِ ﷺ ثُمَّ فِيْ عَهْدِ أَبِيْ بَكْرٍ و عُمَرَ رضي الله عنهما.
و يُذْكَرُ الْمَقْرِيزِيُّ أَنَّ الْخَلِيْفَةَ عُمَرَ t ضَرَبَ الْدَّرَاهِمَ سَنَةَ ١٨ هِـ بِنَفْسِ الْنَّقْشِ الكِسْرَوِيّ و لَكِنَّهُ زَادَ عَلَيْهِ عِبَارَةَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) و فِيْ بَعْضِهَا (مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ الْلَّهِ).. و فِيْ الْبَعْضِ الآَخَرِ (لا إِلَهَ إِلاَّ الَلّهُ وَحْدَهُ)، و عُثْمَانُ t نَقَشَ عَلَيْهَا “الْلَّهُ أَكْبَرُ”، ثُمَّ اخْتَفَىَ الْدِّرْهَمُ الكِسْرَوِيّ فِيْ الإِصْلاحِ الْنَّقْدِيّ الَّذِيْ قَامَ بِهِ الْخَلِيْفَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الَّذِيْ أَتَمَّ تَعْرِيْبَ الْنَّقُودِ تَمَامَاً سَنَةَ ٧٧ هِـ، و أَرْسَىَ بِذَلِكَ دَعَائِمِ الاسْتِقْرَارِ الْمَالِيّ لِلْدَّوْلَةِ الْعَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ.
و كَمَا فِي عَصْرِنَا هَذَا الرِّيالُ و الْهَلَلَةَ.. و الْجِنِيهَ و الشِّلِنَ.. كَانَ هُنَاكَ الدِّينارُ و الدِّرْهَمَ.. فَالْعُمْلَةُ الَّتِيْ تَعْلُو الْدِّرْهَمَ هِيَ الْدِّيْنَارُ و وَرَدَ لَفْظُ الْدِّيْنَارِ فِيْ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ مَرَّةً وَاحِدَةً دَلِيّلا عَلَىَ وُجُوْدِهِ كَوَسِيلَةٍ لِلْتَعَامُلِ الْنَّقْدِيّ {وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ} آل عمران: ٧٥، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ t أَنَّ الْنَبِيَّ ﷺ قَالَ: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ و عَبْدُ الدِّرْهَمِ و عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِيَ و إِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ و انْتَكَسَ و إِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ) صحيح البخاري، و كَانَ الْدِّيْنَارُ الْبِيْزَنْطِيِّ هُو وِحْدَةُ الْتَّعَامُلِ الْذَّهَبِيَّةِ عِنْدَ الْعَرَبِ قَبْلَ الإِسْلامِ و بَعْدَ ظُهُوْرِهِ و أَثَنَاءَ عَصْرِ الْخُلَفَاءِ الْرَّاشِدِيْنَ و كَانُوْا يُطْلِقُونَ عَلَىَ الْدِّيْنَارِ اسْمُ الْعَيْنِ، إِلَىَ أَنْ قَرَّرَ الْخَلِيفَةُ الأُمَوِيّ عَبْدُالْمَلِكِ بِنْ مَرْوَانَ سَكَّ الْدِّيْنَارَ الْعَرَبِيّ عَامَ ٧٤ هـ، و الْثَابِتُ أَنَّ الْرَّسُوْلَ ﷺ كَانَ يَتَعَامَلُ بِهَذَا الْدِّيْنَارِ الْبِيْزَنْطِيِّ.. حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَدَىَّ الْعَرَبِ عُمْلَةٌ ذَهَبِيَّةٌ غَيْـرُهُ.. فَكَانَ ذَلِكَ الْدِّيْنَارِ إِحْدَىَ وَسَائِلُ الْتَّعَامُلِ الْتِّجَارِيّ و فِيْ عُقُوْدِ الْزَّوَاجِ و الْصَدَاقِ.
الْدِّيْنَارُ الْبِيْزَنْطِيِّ كَانَ يُعَبِّرُ بِطَبِيِعَةِ الْحَالِ عَنْ النَّظَّامِ الْبِيْزَنْطِيِّ الرومِيّ الَّذِيْ أَصْدَرَهُ و يَعْبِّرُ عَنْ الْعَقِيدَةِ الْدِّيْنِيَّةِ لِلْدَّوْلَةِ الْبِيْزَنْطِيَّةِ.. إِذْ كَانَ يَحْمِلُ صُوْرَةَ الإِمْبَرَاطُوْرِ الْبِيْزَنْطِيِّ هِرَقْلُ و مَعَهُ صُوْرَةَ ابْنَيْهِ هَرَقَلْيوَنَاسِ و قُسْطَنْطِيْنِ بِالإِضَافَةِ إِلَىَ رَمْزِ الْعَقِيْدَةِ الْنَّصْرَانِيَّةِ، و مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ فِيْ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ مَا يُفِيْدُ الْنَّهْيَ عَنْ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ الْدِّيْنَارُ مَعْ مُخَالَفَتِهِ لِعَقِيْدَةِ الْمُسْلِمِيْنَ.
مِصْرُ.. كَلِمَةُ مِصْرُ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْوَارِدَةُ فِيْ هَذِهِ الْقِصَّةِ و ذُكِرَتْ فِيْ الْقُرْآَنِ في أَرْبَعِ مَوَاضِعٍ.. و نُلاحِظُ أَنَّ مِصْرَ حِيْنَمَا يُقَصَدُ بِهَا وَادِيْ الْنِّيْلِ لا تَأْتِيَ أَبَداً مُنَوَّنَةً:
1. {وَ قَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ…} يوسف: ٢١.
2. {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} يوسف: ٩٩.
3. {وَ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا…} يونس: ٨٧.
4. {وَ نَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} الزخرف: ٥١.
فَكَلِمَةُ مِصْرَ ذُكِرِتْ فِيْ هَذِهِ الآَيَاتِ الأَرْبَعِ الْسَّابِقَةُ بِغَيْـرِ تَنْوِيْنٍ، و لَكِنْ فِيْ الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ فِيْ قَوْلِهِ I {…اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ…} البقرة: ٦١ جَاءَتْ مُنَوَّنَةً بِالْتَّنْوِيْنِ، فَهِيَ إِذَاً غَيْرُ مِصْرَ الْوَارِدَةُ فِيْ الآَيَاتِ الأَرْبَعِ الْسَّابِقَةُ، لأَنَّ الْمَمْنُوْعَ مِنْ الْصَّرْفِ لِلعَلَميّةَ و الْتَّأْنِيْثِ إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ لِبُقْعَةٍ أَو مَكَانٍ، فَإِذَا كَانَ بُقْعَةٌ يَبْقَىْ مُؤَنَّثَاً و إِذَا كَانَ مَكَانٌ يَكُوْنُ مُذَكّرَاً، فَإِنْ كَانَ بُقْعَةً فَهُو عَلَمٌ مَمْنُوْعٌ مِنْ الْصَّرْفِ و إِنْ كَانَ مَكَانْاً تُكَوِّنُ فِيْهِ عَلَمِيَّةٌ و لَيْسَ فِيْهِ تَأْنِيْثٌ، و قَدْ تَكُوْنُ هُنَاكَ عَلَمِيّةً و أَهَمِّيَّةٌ و لَكِنَّ الْلَّهَ صَرَّفَها فِيْ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ مِثْلُ الأَعْلامِ نُوْحٍ و لُوْطٍ و شُعَيْبٍ و مُحَمَّدٍ و هُوْدٍ، فَكَلّ هَذِهِ الأَسْمَاءِ كَانَ مَفْرُوْضاً أَنْ تُمْنَعَ مِنْ الْصَّرْفِ و لَكِنَّهَا صُرِّفَتْ، فَقِيْلَ فِيْ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ نُوْحاً و لُوطاً و شُعَيْباً و مُحَمَّداً و هُوْداً، إِذَنْ فِيْ قَوْلِهِ I {…اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ…} البقرة: ٦١ يَكُوْنُ الْمَعْنَىْ أَيْ مِصْراً مِنْ الأَمْصَارِ، و كَلِمَةُ مِصْرَاً تُطْلَقَ عَلَىَ كُلِّ مَكَانٍ لَهُ مُفْتِيَ و أَمْيَرٍ و قَاضٍ.. و هِيَ مَأْخُوْذَةٌ مِنْ الاقْتَطَاعٍ لأَنَّهُ مَكَانْا يَقْطَعُ امْتِدَادِ الأَرْضِ الْخَلاءِ، أَو كُلِّ وَادٍ فِيْهِ زَرَعَ.
لَفْظَةُ “الأَرْضِ” حِينَ يُرَادُ مِنْهَا “مِصْرَ” هِيَ تَرْجَمَةٌ مِنْ القُرْآنِ لِمَعْنَى “مِصْرَ” بِلُغَةِ أَهْلِهَا، كَمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ U:
· {وَ إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَ قِثَّائِهَا وَ فُومِهَا وَ عَدَسِهَا وَ بَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُو أَدْنَى بِالَّذِي هُو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ بَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ} البقرة: ٦١.
· وَ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} يوسف:٥٥ – ٥٦.
· {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَو يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُو خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} يوسف: ٨٠.
· وَ كَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى u مَعَ فِرْعَوْنَ {وَ قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَ نَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَ إِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعراف: ١٢٧.
· {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَ تَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَ مَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} يونس: ٧٨.
· {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} الإسراء: ١٠٣ و غيرها.
* * *
{وَ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} يوسف: ٥٨ |
مِنْ لَطَائِفِ الْقُرْآَنِ فِيْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ اسْتَخْدَمَ كَلِمَةَ أَخْ {وَ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} يوسف: ٥٨، لَكِنَّ الْنَسَبَ الإِيَمَانِيّ و الأُخُوَّةَ الإِيْمَانِيَّةِ أَعْلَىَ مَرْتَبَةً {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الحجرات: ١٠.. يَعْنِيْ إِيَّاكُمْ أَنْ تَجْعَلُوْا الْتِقَاءَ الْنَّسَبِ الْمَادِّيِّ دُوْنَ الْتَقَائِكُمْ فِيْ الْقِيَمِ الْعَقَائِدِيَّةِ، و الأَصْلُ فِيْ الأَخِ أَنْ يَشْتَرِكَ فِيْ الأَبِ فَإِنْ كَانُوْا إِخْوَةٌ مِنْ غَيْرِ الأَبِ يُسَمِّيْهِمُ الْقُرْآَنُ إِخْوَاناً، فَإِنْ ارْتَقَوْا فِيْ الإِيْمَانِ يُسَمِيْهُمْ إِخْوَةً، لِهَذَا كَانَ يَصِفُهُمْ بِأَنَّهُمْ إِخْوَاناً فِيْ قَوْلِهِ I {وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَ كُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} آل عمران:١٠٣، فَلَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوْبٌ و بَغْضَاءٌ و شِقَاقٌ، فَلَمْ يَصِفُهُمْ بِأَنَّهُمْ إِخْوَةً لأَنَّهُمْ لازَالُوا فِيْ الْشَّحْنَاءِ فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ إِخْوَانٌ، و بَعْدَ أَنْ يَخْتَمِرَ الإِيْمَانُ فِيْ نُفُوْسِهِمْ يُصْبِحُوْنَ إِخْوَةً إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ إِخْوَةٌ.. لِهَذَا إِخْوَةٌ مَرْتَبَةً أَعَلَى مِنْ إِخْوَانٍ.
* * *
{وَ رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُو فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} يوسف: ٢٣ |
· فِيْ الْجَانِبِ الْمَدَنِيُّ:
يَذْكُرُ الْحَقَّ I امْرَأَةُ الْعَزِيْزِ فِيْ قَصْرِهَا أَحْكَمَتْ إِغْلاقَ الأَبْوَابِ، أَيْ لَدَيْهَا فِيْ جَنَاحِهَا الْخَاصِّ أَكْثَرُ مِنْ حُجْرَةٍ و أَكْثـَرُ مِنْ بَابٍ و لِكُلِّ بَابٍ مِنْهَا أَقْفَالٌ مُزْدَوِجَةٌ تَسْتَطِيْعُ بِهَا قَفْلَ الأَبْوَابِ و إِحْكَامِ قَفْلُهَا مِنْ الْدَّاخِلِ كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ كَلِمَةِ غَلَّقَتِ الأَبْوَابَ، و لَكِنَّ الْمُفَاجِأَةَ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ لَدَيْهِ مَفَاتِيْحٌ يَفْتَحُ بِهَا نَفْسَ الأَبْوَابِ مِنْ الْخَارِجِ لأَنَّهُ صَاحِبُ الْقَصْرِ.. مَعَهُ مِفْتَاحٌ رَئِيسِ Key Master ، و إِنْ بَدَى هَذَا عَادِيَّاً فِيْ عَصْرِنَا إِلاَّ أَنَّنَا نَتَكَلَّمُ هُنَا عَنْ عَصْرِ يُوَسُفَ u أَثْنَاءِ الْدَّوْلَةِ الْوُسْطَىَ فِيْ الْتَّارِيْخِ الْفَرْعَوْنِيِّ، إِذَا الْقُفْلِ هُنَا لَيْسَ كَالْمِزْلاَجِ، ولَكِنَّه مِثْلُ الْكِيْلُونَ!!.
· فِيْ الْجَانِبِ الْثَّقَافِيّ:
مِنْ ثَقَافَةِ و عَادَاتِ أَهْلِ الْقِصَّةِ كَانَتْ هَيْتَ و حَصْحَصَ و حَاشَ لِلَّهِ كَكَلِمَاتٍ سَائِدَةٍ فِيْ الْثَّقَافَةِ الْمِصْرِيَّةِ و فِيْ مَنْطِقَةِ سِيْنَاءَ بِالذَّاتِ.. فَأَوْرَدَ الْقُرْآَنُ الْكَرِيْمُ هَذِهِ الكَلِمَاتَ و الَّتِي لَمْ تَرِدْ إِلاَّ فِيْ الْثَّقَافَةِ الْمِصْرِيَّةِ:
· {وَ رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُو فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَ قَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} يوسف: ٢٣.
· {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَ قَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} يوسف: ٣١.
· {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} يوسف: ٥١.