{الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) و مَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) و تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُو فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) و أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) و مَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ} القارعة: 1 – 11 |
في اليوم الآخِر و بعد النفخ في الصور.. و تغيـرت الأرض غيـر الأرض و السماوات.. و تمّ إعادة إنشاء الأجساد من المواد و الأشكال و الأرض الجديدة.. لا يعلم أحد إلا الله.. كيف هي الحياة هناك.. و نكتفي بتقريب الوصف بما وصفه القرآن الكريم و بما نفهمه بما يشبهه عندنا {.. كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ و أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا...} البقرة: 25.. ففي عالمنا الحاضر يوجّه أفواج الناس و تقودهم صافرات الإنذار.. و هي أقوى و سيلة نعرفها الآن.. فإذا انطلقت صافرات الإنذار تُشاهد النّاس كلهم يتوجهون للالتزام بما يعرفونه عنها.
الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) و مَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ.. الِافْتِتاحُ بِلَفْظِ القارِعَةِ افْتِتاحٌ مَهَوِّلٌ، و فِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبَرُ بِهِ، و هُو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ.. و ﴿ما القارِعَةُ﴾ خَبَـرُهُ و يَكُونُ هُنالِكَ مُنْتَهـى الآيَةِ، فالمَعْنى: القارِعَةُ شَيْءٌ عَظِيمٌ.. و ما القارِعَةُ.. اسْتِئْنافًا لِلتَّهْوِيلِ، فالسُّورَةُ مُسَمَّطَةٌ مِن ثَلاثِ فَواصِلَ في أوَّلِها و ثَلاثٍ في آخِرِها و فاصِلَتَيْنِ وسَطَها.. و القارِعَةُ وصف مِنَ القَرْعِ و هو ضَرْبُ الجِسْمِ بِآخَرَ بِشِدَّةٍ لَها صَوْتٌ.. و أُطْلِقَ القَرْعُ مَجازًا عَلى الصَّوْتِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ السّامِعُ تَأثُّرَ خَوْفٍ و اتعاظ.. ﴿و لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ الرعد: ٣١.. و جُمْلَةُ ﴿و ما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما القارِعَةُ﴾.. و الخِطابُ في (أدْراكَ) لِغَيـْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: و ما أدْراكَ أيُّها السّامِعُ.
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ.. الفَراشُ: فَرْخُ الجَرادِ حِينَ يَخْرُجُ مِن بَيْضِهِ مِنَ الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، و يطيـر باتجاهات متضاربة.. كما نراه عندما يحوم حول النار ليلاً.. و لكن هذا يأخذ فتـرة من الزمن إلى أن يسمع الناس صافرات الإنذار فيتوجهون نحوها.. خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ.. حيث إن أسراب الجراد تسير باتجاه واحد.. و هنا اختلف الوضع عن الفراش.
وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ.. العِهْنُ هو ا لصُّوفُ، و قِيلَ: يَخْتَصُّ بِالمَصْبُوغِ الأحْمَرِ، أو ذِي الألْوانِ، و ناسب ذكر النفش؛ لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقرعَ بالمقرعة.. فلفظ القارعة أنسب هنا.. و المنفوش زيادة على وصف سورة المعارج.. {وَ تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} المعارج: 9.. و المَنفُوشُ: المُفَرَّقُ بَعْضُ أجْزائِهِ عَنْ بَعْضٍ لِيُغْزَلَ أو تُحْشى بِهِ الحَشايا، و وَجْهُ الشَّبَهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ؛ لِأنَّ الجِبالَ تَنْدَكُّ بِالزَّلازِلِ و نَحْوِها فَتَتَفَرَّقُ أجْزاءً.
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُو فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ.. عرفنا كيف يمكن تحويل الطاقة إلى كتلة.. و نعلم أن جميع أعمالنا من مشاعر، أحاسيس، صلاة و صدقة.. كلها تحتاج إلى قياس.. و موازين دقيقة للغاية:
·{وَ نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا و إِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا و كَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} الأنبياء: 47.. وزن حبة الخردل 17/24.000 جرام، و قطرها 17/16 ملم3.. و هنا ليقرّب الله لنا الصورة في تحويل طاقة أعمالنا إلى مادة يضرب لنا المثل بواحدة من البذور التي نعرفها و هي حبة الخردل.
· {وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) و مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} الأعراف: 8 – 9..
·{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) و مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} المؤمنون: 102 – 103..
· {وَ أَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ و أَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} المنافقون: 10.. و من هذه الآية يتضح أنّ الصدقة من أثقل الأعمال في هذه الموازين.
و من ثقلت موازينه فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.. سينتقلون إلى عيشة راضية.. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ و رَضُوا عَنْهُ.
وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) و مَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ.. من خفّت موازينه و لم تؤهله لرضا الله.. فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ.. بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ.. و الإجراء المتخذ بعد الوزن.. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي و الْأَقْدَامِ.. و لأن مركز الثقل في جسم الإنسان هو الرأس.. فعندما يُلقى في النار يسقط بأمّ جسده و هو الرأس في نارٍ حامية.
بعد ذكر ما سيحصل يوم القيامة و الموازين.. يذكر لنا القرآن الكريم أنّ هذا ناتج عن أعمالنا و أنّ العِلم بهذه الإجراءات سيتم على مرحلتين عند الموت و عند البعث و هذا في سورة التكاثر (التالية).