{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} الحج: ٥

م

العدد الذري

العنصر

الكتلة (كغ)

1

8

أكسجين

43

2

6

كربون

16

3

1

هيدروجين

7

4

7

نيتروجين

1.8

5

20

كالسيوم

1

6

15

فسفور

0.78

7

19

بوتاسيوم

0.14

8

16

كبريت

0.14

9

11

صوديوم

0.1

10

17

كلور

0.095

11

12

مغنسيوم

0.019

12

26

حديد

0.0042

13

9

فلور

0.0026

14

30

زنك

0.0023

15

14

سيليكون

0.001

الإجمالي

70.0841

مكونات الإنسان الرئيسية هي الجسد و النفس و الروح .. هناك آيات تصف المكوّن الرئيس الجسد و الذي يتكون من طبقات مختلفة و متداخلة كما تصفه كُتب الطب و التشريح .. فالقرآن الكريم يصف هذه الطبقات على النحو التالي :

·      التـراب و الذي يتضمن عناصر الطبيعة المختلفة .. و قد قام مندليف بجمع هذه العناصر في الجدول الدوري .. و لا تخرج مكونات الجسد عن عناصر الطبيعة هذه .. حيث يستمر بناء الجسد في جميع أطواره من الطعام الذي نأكله .. و أصلُه من مكونات الأرض {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} فاطر : 11.. في الجدول المقابل و الصورة المرفقة توضيح نسب و كمية العناصر التـي يتكون منها جسد الإنسان الذي كتلته في المتوسط 70 كحم .. فنجد إن الأكسجين يكوّن فيه 43 كجم (تمثل حوالي 63% من وزنه).

·      إن اعتدال جسم الإنسان مبنـي على الهيكل العظـمي و الذي تقتـرب مواصفاته من صفات الفخار و ذلك بوجود المسامات الداخلية .. و في عظامنا تتم صناعة كريات الدم الحمراء في نخاع العظام أو المسمى العلمـي (نقي العظم) و هو نسيج حيوي شبه صلب يوجد داخل الأجزاء الإسفنجيَّة من العظام الطويلة، و هو الموقع الرئيسي لإنتاج خلايا الدم الجديدة و «تكوين الدم» عند الطيور و الثدييات، و يتكون نقي العظم من الخلايا الجذعية المنتجة للدم و نسيج شحمي و أنسجة داعمة أخرى، و يوجد عند البالغين بشكل أساسي في عظام الأضلاع و الحوض و القص و الفقرات، و يشكّل تقريباً 4% من وزن الجسم بشكل وسطي فتقريباً هو يشكِّل 2.6 كغ عند شخص كتلته 65 كغ .. {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} الرحمن : 14.

·      يتبين من صورة العضلات المرفقة و التـي تكسو العظام الشَبَهْ الكبيـر بينها و بين الطين .. و قد ذكر القرآن الكريم (اللحم) للطيـر و الخنزير و الحمار .. و ذكره عند بدء تكوين الإنسان {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} المؤمنون:14 .. و تشبُّع العضلات بالماء مشابهة للطين و {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} الأنعام : 2 .. (انظر الصورة).

·      الجهاز العصبي و يُدعى أيضاً الجملة العصبية، و هو أهم الأجهزة الـتي تميـّز المملكة الحيوانية .. نشاهده عند كل الكائنات الحية ابتداءً من وحيدات الخلايا و حـتى الثدييات حيث يكون مؤلفاً من دارات بسيطة بين مجموعات صغيرة من الخلايا العصبية عند وحيدات الخلايا، و يزداد تعقيداً كلما صعدنا في سلم التطور ليصل إلى أقصى درجات التعقيد و الكفاءة عند الإنسان .. و يتميـز الجهاز العصبي عند الإنسان بتطور الدماغ لدرجة مكنّته من إنتاج اللغة و تطور وظائف الإدراك العليا مثل التعلّم، الاستدلال المنطقي، التجريد، التخيّل و الإبداع .. مما ساعده على التعامل مع التحديات بكفاءة عالية جداً .. و للجهاز العصبي في الإنسان عدة سُبل تُسهِّل انتقال المعلومات و الإحساسات من البيئة المحيطة بالإنسان إلى الدماغ، الذي يقوم بإرسال أوامر و تعليمات لعضلات الجسم المختلفة، لتتجاوب مع تلك المعلومات .. و تسلك هذه الأوامر سُبُلاً غـير التـي سلكتها المعلومات الواصلة للدماغ .. و كذلك يختص الجهاز العصبي بتنظيم العديد من وظائف الجسم الداخلية، مثل عمليات التنفس و الهضم و النبض القلـبي .. فالجهاز العصبي مسؤول عن كل ما يقوم به الإنسان من حركات، و أفكار و انفعالات و أحاسيس .. و يقوم الجهاز العصبي بوظيفته من خلال الاتصالات الكثيفة عبـر المشابك العصبية الموجودة على نهايات المحور و التغصنات الهيولية العصبية (الشجرية) لكل العصبونات التـي تؤمّن استقبال المعلومات، معالجتها، و إصدار التعليمات .. و هذا النظام جاء وصفه في لقرآن الكريم بالطين اللازب {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} الصافات : 11.

·      إن وضع العظام و تكسيتها باللحم و تخلل النظام العصبي في جميع مكونات الجسم تحتاج إلى غطاء محكم يرسم الشكل و يحفظه .. فالجلد هو العضو الذي يغطي جسد الإنسان و أجسام كثيـر من الحيوانات الأخرى .. و وظيفة الجلد الرئيسية في الإنسان هي حماية الجسد و يُعدّ أحد خطوط الدفاع الأولى ضد الجراثيم، و الجلد يحمـي الجسد من خلال خصائصه الفيزيائية .. فهو يكاد يكون مقاومًا للبلل تمامًا، و يمنع نفاذ السوائل التـي تغمر أنسجة الجسم إلى الخارج .. و الجلد يمنع البكتيريا و المواد الكيميائية من دخول معظم أجزاء الجسم، و يقي الأنسجة الـتي تقع تحته من أشعة الشمس الضارة .. بالإضافة إلى ذلك، يساعد الجلد في المحافظة على درجة الحرارة الداخلية للجسم عند المستويات العادية، و ذلك بأن تقوم الغدد الموجودة في الجلد بإفراز العرق عندما يتعرض الإنسان لحرارة شديدة، حيث يتبخر العرق، فيبـرد الجسم؛ أمَّا عندما يشتد البـرد فإن الجسم يحتفظ بالحرارة عن طريق تضييق الأوعية الدموية الـتي في الجلد، فيقل نتيجة لذلك، مرور الدم إلى سطح الجسم، و بذلك يفقد الجسم حرارة أقل .. كما يوجد في الجلد كثيـرٌ من نهايات الأعصاب الحسّاسة للبـرودة و الحرارة، و كذلك النهايات العصبية الخاصة بالألم و الضغط و اللمس .. و الجلد أكبـر أعضاء جسم الإنسان، فلو نشرنا جلد إنسان ذكر تبلغ كتلته 6-8 كجم لغطى مساحة قدرها نحو مترين مربعين .. يتكون الجلد من 3 طبقات رئيسية و هي:

·      البشرة: طبقة الجلد الخارجية .. و تحتوي هذه الطبقة على خلايا الميلانين المسؤولة عن لون البشرة.

·      الأدمة: باطن الجلد تحت البشرة تحتوي على النهايات العصبية و الغدد العرقية و الدهنية و الأوعية الدموية و الليمفاوية.

·      نسيج تحت جلدي: يحتوي على الخلايا الدهنية.

و اختصر القرآن وصف الجلد بكلمة الحماء المسنون {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} الحجر : 26.. كوصف أدق ما يكون الوصف.

و بِالْتَّفَكُّرِ فِيْ كِتَابِ الله عزّ و جل نَأْخُذُ أَوَّلَ نَشْأَةٍ لِلْبَشَرِيَّةِ وَ فِيْ خَلْقِ آَدَمٍ u، فَأَنَا وَ أَنْتَ وَ نَحْنُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمِ u، فَتَعَالَ مَعِيَ نَنْظُرُ مِنْ خِلالِ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُبِيْنِ كَيْفَ كَانَتْ الْنَّشْأَةَ الأُوْلَىْ لِلْبَشَرِيَّةِ، فَمِنْ رَحْمَةِ الله بِالْعَقِلِ الإنساني بِالْنِّسْبَةِ لِلأَحْدَاثِ الْغَيْبِيَّةِ أَنَّ الله I قرّبِهَا لَنَا بِشَيْءٍ من المَشَاهِد، فَالمَوْتُ أَمْرٌ حِسِّيٌ مُشَاهَدٌ لَهُ شَبَهٌ كَبِيْـرٌ بِبِدَايَةِ الْخَلْقِ، وَ قَدْ ذَكَرَ لَنَا عزّ و جل غَيْبَ الْخَلِقَ فِيْ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ فَقَالَ:

1.     {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ…} الحج: ٥

2.     {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} المؤمنون: ١٢

3.     {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} الصافات: ١١

4.     {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} الحجر: ٢٦

5.     {خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} الرحمن: ١٤

6.     {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ص: ٧٢

فَالْحَقُّ I أَخْبَرَنَا عَنْ مَرْحَلَةٍ فِيْ الْخَلْقِ لَمْ نَشَهَدَهَا، وَ لَكِنَّ الْمَوْتَ شَيْءٌ مَّشْهُوْدٌ لَنَا جَمِيْعَاً، فَيَأْتِيَ الْحَقُّ I بِهِ كَدَلِيلٍ عَلَىَ مَرَاحِلِ الْخَلْقِ الَتـِيْ لَمْ نَشْهَدُهَا، فَالْمَاءُ إِذَا وُضِعَ عَلَىَ تُرَابٍ يُصْبِحُ التـرابُ طِيْنَاً ثُمَّ مِن الطين طِيْنٌ لازِبٍ، وَ بَعْدَ تَرْكِهِ فَتْـرَةً مِنْ الْزَّمَنِ يَتَغَيَّـرُ لَوْنُهُ من الداخل وَ يُصْبِحُ صَلْصَالاً يَجِفُ فَيَتَحَوّلَ إِلَىَ حَمَأٍ مَسْنُوْنٍ من الخارج، ثُمَّ يتحول جزء منه حتـى يصبح كَالْفَخَّارِ، و يدير هذه العملية (حقل) و هي النفس لِيُصْبِحَ مخلوق هو البَشَرَ، و جميع الحيوانات تمر بهذه المراحل المختلفة، ثُمَّ يَأْتِيَ الْمَوْتُ وَ هُوَ نَقْضٌ لِلْحَيَاةِ، وَ مَعْلُوْمٌ أَنَّ نَقْضَ كُلّ شَيْءٍ يَأْتِيَ عَلَىَ عَكْسِ بِنَائِهِ .. فَبِنَاءُ الْعِمَارَةِ يَبْدَأَ مِنْ أَسْفَلٍ إِلَىَ أَعْلَىَ .. أَمَّا هَدَمَهَا فَيَبْدَأُ مِنْ أَعْلَىَ إِلَىَ أَسْفَلِ، وَ كَمَا أَنَّ آَخِرَ مَرْحَلَةٍ مِنْ رِحْلَةٍ مَا، هِيَ أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِيْ طَرِيْقِ الْعَوْدَةِ، فَإِذَا كُنْتَ مُسَافِرَاً إِلَىَ مَكَّةِ فَأُوْلَ مَّكَانٍ فِيْ طَرِيْقِ الْعَوْدَةِ هُوَ آَخِرُ مَكَانٍ وَصَلَتَ إِلَيْهِ.

وَ بِالْمُقَارَنَةِ فَإِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْ الْجَسَدِ هِيَ الروح ثم الْنفسُ {…وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ…} الأنعام:٩٣ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَلَّبُ هَذَا الْجَسَدْ وَ يُصْبِحُ كَحَمَإِ مَّسْنُوْنٍ، ثُمَّ يَتَعَفَّنُ فَيُصْبِحُ كَالصَلْصَالِ، ثُمَّ يَتَبَخَّرَ الْمَاءُ الَّذِيْ فِيْهِ فَيَعُوْدَ تُرَابَاً، وَ هَكَذَا يَكُوْنُ الْمَوْتُ نَقْضَاً لِصُوْرَةِ الْحَيَاةِ مُتَّفِقَاً مَعَ الْمَرَاحِلِ الَّتِيْ بَيَّنَهَا لَنَا الْحَقُّ I فِيْ طَرِيْقَةِ الْبِنَاءِ الأَوَّلِ و النبات.

وَ لَكِنْ هُنَاكَ خَلْقٌ مُمَيِـّزٌ مِثْلُ خَلْقِ آَدَمَ u، يَقُوْلُ I {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} آل عمران : ٥٩ ، وَ مِنْ هُنَا نُلاحِظُ الأُمُورَ الآتِيَةِ:

أولاً: مَعْلُوْمٌ أَنَّ ثُمَّ لِلْتَرْتِيْبِ وَ الْتَرَاخِيَ، فَقَدْ تَمَّ خَلْقُ آَدَمُ u أَوَّلاً كبشر ثم تمّ نقلُه مِن البشرية إلى الإنسانية بزيادة الروح من عالم الأمر ليكونَ إِنْسَانَاً كَامِلاً، فَعِنْدَمَا يَقُوْلُ I {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} التين : ٤ ، فَإِنَّمَا يَتَحَدّثُ I عَنِ الإِنْسَانِ بَعْدَ أَنْ خُلِقَ إِنْسَانَاً تَتَوَافَرَ فِيْهِ الأَوْصَافُ وَ السِمَاتُ وَ الخَصَائِصُ الَّتـِيْ تُمَيِـّزُهُ عَنْ بَاقِيْ الْكَائِنَاتِ، أَمَّا مَا قَبْلَ هَذَا الْتَكَامُلُ وَ الاِكْتِمَالُ وَ الْتَمَيُـّزِ بالروح فَلا يَصِحُ أَنْ يُسَمَّىْ إِنْسَانَاً بل بشر.

ثانياً: إِذَا كَانَ الْتَمَاثُلُ فِيْ خَلْقِ آَدَمَ وَ عِيْسَىْ عَلَيْهِمَا الْسَّلامُ كَامِلاً فَإِنَّ هَذَا يَعْنـِيْ أَنَّ بِدَايَةِ خَلْقِ آَدَمَ u كَانَتْ مِنْ مكونات التـُرَاب ثُمَّ انْتَهَتْ بِأَنْ خُلِقْ خَلْقَاً خَاصَّاً بإضافة الروح إليه عَلَىَ خِلافِ الْقَانُوْنِ الْمَعْهُوْدِ فِيْ الْمَخْلُوْقَاتِ قَبْلِهِ، كَمَا هُوَ الأَمْرُ فِيْ عِيْسَىْ u الَّذِيْ بَدَأَ خَلْقُهُ من مكونات التُـرَاب و عن طريقة الأغذية الخاصة الـتي تحضرها الملائكة لمريم عليها السلام .. فقد كانت مريم عليها السلام مولودة وِفْقَ قَانُوْنِ الْزَّوْجِيَّةِ، ثُمَّ خُلِقَ منها عِيْسَىْ u خَلْقَاً خَاصَّاً عَلَىَ خِلافِ قَانُوْنَ الْزَّوْجِيَّةِ من غير أب.

ثالثاً: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ} السجدة: ٧ – ٩، نُلاحِظُ فِيْ تَسَلْسُلِ الأَحْدَاثِ فِيْ هَذِهِ الآَيَةِ الآتِيَ:

        الْطِّيْنُ كَانَ بِدَايَةُ الْخَلْقِ للبشر من خلية واحدة إلى أن أصبح بشراً و هذا أصل الإنسان، ثُمَّ كَانَ الْتَّنَاسُلُ وِفْقَ قَانُوْنِ الْزَّوْجِيَّةِ من ماء مهين.

        حَرْفُ (ثُمَّ) يُشِيْرُ إِلَىَ الْتَرْتِيبِ وَ الْتَّرَاخِيَ فِيْ الْزَّمَنِ، وَ هَذَا يَعْنـِيْ أَنَّ الْتَسَلْسُلَ عَبْـرَ الْتَـزَاوُجِ قَدْ سَبَقَ عَمَلِيَّةَ الْتَّسْوِيَةِ وَ الْنَّفْخِ مِنْ روْحِ الله، أَيْ سَبَقَ وُجُوْدِ آَدَمَ u و ذلك هو المرسوم في الأجداث أو الكروموسومات و هذا دليل على أن آدم ليس هو أبو البشر.

        ثُمَّ كَانَتْ عَمَلِيَّةَ الْتَّسْوِيَةَ وَ الْنَّفْخَ {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} الحجر:٢٨ – ٢٩ ، تَنُصُ أَيْضاً عَلَىَ أَنَّ الْتَّسْوِيَةَ وَ الْنَّفْخَ كَانَ لآَدَمَ u {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ص : ٧٢ كبداية للإنسانية و هي بعد التسوية و النفخ.

رابعاً: فِيْ سُوْرَةِ الأَعْرَافِ يَقُوْلُ I {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} الأعراف : ١١ ، نُلاحِظُ فِيْ هَذَا الْتَسَلْسُلِ أَنَّهُ:

        اسْتِخْدَامَ الْحَرْفَ ثُمَّ الْدَّالِ عَلَىَ الْتَّرْتِيْبِ مَعَ التَّرَاخِيْ فِيْ الْزَّمَنِ بَيْنَ الْخَلِقِ وَ الْتَّصْوِيْرِ.

        خَلَقَ الله عزّ و جل خلقنا ببناء الخريطة الجينية ثُمَّ تَمَّ تَصْوِيْرَهِ بِالْصُّوَرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْحَالِيَّةِ.

        نَصَّتِ الآَيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَىَ أَنَّ خَلَقَ آَدَمَ u هُوَ خَلْقٌ لِبَاقِيْ الناس بِقَوْلِهِ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، وَ هَذَا مَفْهُوْمٌ لأَنَّنَا نَسْلُ آَدَمَ u، أَيْ صُوْرَةٌ مُكَرَّرَةٌ عَنْهُ وَ مِنْهُ، وَ مِنْ هُنَا نفهَمْ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ اسْتِخْدَامَ الْفَعَلُ الْمُضَارِعُ (فَيَكُوْنَ) الْدَّالُّ عَلَىَ الاسْتِمْرَارِيّةٌ فِيْ قَوْلِهِ I {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} آل عمران :٥٩.

فِيْ قَوْلِهِ I {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا} نوح : ١٧، وَ هَذَا مُشْعِرٌ بأن مكونات الإنسان كما هو الهرم الغذائي مبني على النبات و الذي أصله تراب الأرض.

إِذَنْ فَالإِنْسَانُ كَائِنٌ مُكَرَّمٌ أُسْجِدتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ، وَ سُخِّرَتْ لهُ الْسَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ، وَ خُلِقَ خَلْقَاً خَاصَّاً مُنْبَتَّاً عَمَّا سَبَقَهُ مَنْ مَخْلُوْقَاتٍ، وَ يَمِيْلُ الْمُسْلِمُوْنَ وَ الْنَّصَارَىَ وَ الْيَهُودُ إِلَىَ الاعْتِقَادِ بِأَنَّ آَدَمَ u قَدْ خُلِقَ مُبَاشَرَةً مِنْ الْتُّـرَابِ، لِذَا نَجِدُهُمْ يَرْفُضُوْنَ بِشِدَّةٍ كُلِّ الْمَزَاعِمِ الَّتـِيْ تَقُوْلُ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُوْنَ لِلإِنْسَانِ عَلاقَةٌ خَلْقِيَّةٌ بِكَائِنَاتِ دُنْيَا أَوْ فِيْمَا يُعْرَفُ بِنَظَرِيَّةِ الْتَّطَوُّرِ لدارُوِينَ.

أمّا في هذا العصر .. فأستطيع أن أقول إن مجموعة من البشر تجوب الأرض (و هم متوحدون أيْ من جسد و نفس فقط) .. تأكل و تشرب و تتكاثر .. كقطيع حيوانات، و يصطفي الحق عزّ و جل آدم و زوجه (قد يكونا اثنان آدم و زوجته)، أو (آدم و مجموعة مِن صِنفه) يسوقهما إلى جنة الاختبار (في المغمس و هو وادي في مكة المكرمة و تحديد هذا المكان بسبب وجود الكعبة التـي بنتها الملائكة سكن لآدم بعد خروجه من الجنة كما سنرى) .. و قد أوحى الله لملائكته عبـر جبريل u أنّ مرحلة بناء هذا الكائن الحيّ اكتملت و استوت .. و حانت ساعة الاصطفاء .. و هو جاهز الآن لنفخ الروح .. حيث قال I {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ص : ٧٢ .. و تساءلت الملائكة كيف يكون هذا الكائن البشريّ خليفةً! .. و هم يرونه يُفسدُ و يسفكُ الدماء كعادة الحيوانات الأخرى و الـتي منهم (البشر) البقية الباقية خارج جنة الاختبار {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} البقرة: ٣٠ .. و هؤلاء الملائكة المختارين للسجود .. هم الذين سوف يقومون بخدمة هذا المخلوق .. و حفظ ذريته و تسجيل أعمالهم .. و لم يكونوا من الملائكة العالين كجبريل و ميكائيل و إسرافيل و حملة العرش عليهم السلام .. {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} ص : ٧٥ .. و كان ضمن الفريق المطلوب منهم السجود كأحد أفراد الجن و هو إبليس {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ…} الكهف: ٥٠ .. و حين حانت ساعة الصفر .. و اجتمعت الملائكة و إبليس معهم .. نفخ جبريل u في آدم (الكائن الحيّ) الروح .. و بعد دخول الروح إلى جسد و نفس آدم أصبحت عنده القدرة على الكلام و الوصف و التصنيف و ربط المشخصات بالأسماء .. انتبه هذه الصفة ليست في النفس .. لكنها أمر برمجة جديد .. و الروح هي ليست مادة و لا حقل .. لكنها (شفرة برمجية لا نعلم كنهها) من عالم الأمر .. إلحظ أنّ النفس أصلاً يوجد ضمنها معرفة الفجور و التقوى in Built ؛ و كذلك معرفة وصول الرضيع إلى ثدي أمه و الأكل و الشرب و المشي و غيرها من الفطرة .. لكن الكلام و البيان هي من مميزات عالم الأمر الذي منه الروح.

لهذا تمّ عرض مشخّصات أمام آدم .. و طلب جبريل u من الملائكة أسماء هذه المشخصات، فلم يعرفوها!! .. و طَلَب جبريل u من آدم أنْ يذكر أسماء هذه المشخصات و أن ينطق بها (انظر سورة البقرة) .. و هذه مشخصات كانت مغيّبة عن الملائكة .. فذكرها لهم .. و هذا هو النجاح في هذه المرحلة .. الخلافة .. و هنا أوحى الله إلى الملائكة {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} البقرة : ٣٣ .. و تم تتويج هذا النجاح بالأمر بسجود مجموعة الملائكة المكلفين و إبليس {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} البقرة : ٣٤، و قد عرفنا من هو إبليس!!

وَ مَعَ هَذَا فَاللَّهُ عزّ و جل يَتَفَضَّلُ عَلَىَ الإنْسَانِيّةِ بِأَنْ عَلَّمَ أَبَاهُمْ آَدَمَ u {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة : ٣١ ، فَإِذَا أَخَذْنَا بِظَاهِرِ الْنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الْكَرِيمِ يِمْكِنْ أَنْ نَّقُوْلَ أَنَّ الأَسْمَاءَ فِيْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ الْجَلَيْلَةِ كَانَتْ لِمُسَمَّيَاتٍ عَاقِلَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَىْ فِيْ حَقِّ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ: "عَرَضَهُمْ.. هَؤُلاءِ.. بِأَسْمَائِهِمْ"، أَيْ أَنَّ آَدَمَ u قَدْ تَعَلَّمَ كُلَّ أَسْمَاءِ الْمُسَمَّيَاتِ الْعَاقِلَةِ، وَ الْمَقْصُوْدُ هُنَا قَابِلِيَّةَ الْتَعَلُّمِ وَ الأَدَاءَ لَدَىَ آَدَمُ u، أَيْ الاسْتِعْدَادُ جَسَدِيّاً وَ عَقْلِيَّاً وَ نَفْسِيّاً، وَ يَبْدُوَ أَنَّ ذَلِكَ لا يَتَوَفَّرَ لِلْمَلائِكَةِ فِيْ أَصْلِ فِطْرَتِهِمْ {قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} البقرة : ٣٢ .

وَ نَسْتَدِلُّ مِنْ قَوْلِهِ I {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}البقرة : ٣٠، أَنَّ هُنَاكَ حَالَة البشرية التـي كَانَتْ قَبْلَ آَدَمَ u و التـي قَاسَ الْمَلائِكَةُ عَلَيْهَا فَظَنُّوا أَنَّ آَدَمَ سَيَطْغَى فِيْ الأَرْضِ، حَيْثُ كَلِمَةُ يُفْسِدُ وَ يَسْفِكُ وَ الْدِّمَاءَ عَرَفَتْهَا الْمَلائِكَةُ مِنْ حَيَاةِ البشر السَابِقَة، فَالْجَانُ مَّثَلاً قَدْ خُلِقَ قَبْلَ الإِنْسَانَ {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} الحجر : ٢٧.

وَ مِنّ هَذِهِ الْحَادِثَةِ الْجَلَيْلَةِ أَيْضاً نَتَعَلَّمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ طَاعَةُ أَوَامِرَ الله وَ اجْتِنَابِ نَوَاهِيْهِ {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} البقرة : ٣٤، فَنَحْنُ عِنْدَمَا نَذْهَبُ إِلَىَ الْحَجِّ فَإِنَّنَا نُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ فِيْ الْكَعْبَةِ، وَ نَسْجُدَ أَمَامَ بَيْتِ الله الْكَعْبَةِ الْمَبْنِيَّةِ مِنْ الْحَجَرِ، وَ نَرْجِمُ الْحَجْرَ الَّذِيْ يُمَثِّلُ إِبْلِيْسَ فِيْ مِنَـى (الْشَّاخِصُ)، فَنُقَبِّلُ حَجَرَاً وَ نَرْجِمُ حَجَرَاً، فَالْمَلائِكَةُ هُنَا لَمْ يَسْجُدُوْا لآِدَمَ سُجُوْدُ عِبَادْةٍ وَ لَكِنَّهُمْ سَجَدُوْا لأَمْرِ الله بِالْسُّجُودِ لآَدَمِ، وَ فَرْقٌ كَبِيـْرٌ بَيْنَ الْسُّجُودِ لِشَيْءٍ وَ بَيْنَ الْسُّجُودِ لأَمْرِ الله I، فَهَذَا لا يُعْتَبَـرُ خُرُوجَاً عَلَىَ الْمَنْهَجِ الأَسَاسِ الَّذِيْ هُوَ طَاعَةُ الله، فَسَجَدَ لآَدَمِ u الْمَلائِكَةُ الَّذِيْنَ لَهُمْ مُهِمَّةٌ مَعَهُ أَوْضَحَهَا الله {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} الانفطار:١٠ -١٢، {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق: ١٨، {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} النازعات: ٥، وَ الأَمْرُ بِالْسُّجُودِ لَمْ يَشْمَلْ أُوْلَئِكَ الْمَلائِكَةَ الْعَالِيْنَ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَ حُرَّاسِ الْسَّمَاءِ وَ غَيْـرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُمْ مُهِمَّةٌ مَعَ الإِنْسَانِ، وَ عِنْدَمَا رَفَضَ إِبْلِيْسُ الأَمْرَ بِالْسُّجُودِ قَالَ لَهُ الله {قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} ص: ٧٥، أَيْ أَنَّكَ لَسْتَ مِنْ الْمَلائِكَةِ الْعَالِيْنَ الَّذِيْنَ لَمْ يَشَمَلَهُمْ أَمْرُ الْسُّجُودِ وَ الاسْتِفْهَامُ هُنَا إِنْكَارِيّ، إِذًا فَأَمْرُ الْسُّجُودِ لآَدَمِ كَأَمْرِ الله لَنَا بِالْسُّجُودِ إِلَىَ الْقِبْلَةِ فِيْ الصَّلاةِ، فَنَحْنُ لا نَسْجُدُ لِلْقِبْلَةِ ذَاتِهَا وَ لَكِنَّنَا نَسْجُدُ لأَمْرِ الله بِالْسُّجُودِ إِلَىَ الْقِبْلَةِ.

* * *