{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)} [الطارق : 5 – 8

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ .. يعـني على الإنسان أن يبحث لكي يعلم مِمَّ خُلِقَ .. جاء تعالى بالفعل في الماضي المبنـي للمجهول، و ذلك ليبيّـن I الطريقة الطبيعية التـي خُلِق بها الإنسان في أول الأمر ..

·       {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} الأنبياء : 37

هنا يبيّن I بأن الطريقة الـتي خُـلِق بها الإنسان هي التـي أدّت إلى كونه مستعجلاً في الوصول إلى مبتغاه .. و لهذا قال – مِمَّ خُلِقَ – فهو يحثّ الإنسان على اكتشاف كيفية خلقه لأول مرّة و ليس على اكتشاف كيفية تناسُلِه، و التي تكون عبر نطفة من مني يُمنى.

خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ .. و لأنه يتكلم I عن بداية خلق الإنسان، و التـي كان من أهم عناصرها الماء الذي جعل منه I كل شيء حيّ، و لهذا قال تعالى مَاءٍ دَافِقٍ .. و لم يقل مدفوق أو يُدفق، لأنه يتكلم عن ماء جاري مستمر الدفقان، يعنـي يُفجّر بقوة بطريقة متواصلة، و ليس ماءً يُدفق من طرف شخص ما لمدة معينّة.

يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ .. يَخْرُجُ يعنـي كان في مكانٍ ما و خرج منه، و فعل الخروج فيه استمرار، و لهذا استعمل تعالى الفعل المضارع.

الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ .. خروج الماء يكون من بين شيئين، و هما الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ، و ليس خروج ماء مِن الصلب و خروج ماءٌ آخر مِن الترائب.

·       {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} الروم : 20

·       {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} السجدة : 7

و لم يقل في سورة الطارق من تراب، و ذلك لأن الماء كما نعلم هو أصل الحياة، و لهذا قال تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} النور : 45.

الصُّلْبِ .. لم يجعل التـراب لوحده هو بداية الخلق، و لكن اختلاط الماء بالتراب هو الذي كان سبباً في بداية خلق الإنسان، و لهذا وجب أن نعلم لماذا كلمة الصُلب و التـي جذرها اللغوي هو فعل (صلب)، فنقول صَلُب الشيء، يعنـي صار قوياً و لم يعد لينّا، فالحديد مثلاً هو من المواد الصلبة .. و جسم الإنسان يتكون من هذه المعادن و أخرى غيرها.

التَّرَائِبِ .. هي جمع لكلمة (تِرابة) كما هي قلائد جمع (قلادة)، و التِرابة هي نوع من التُـراب الذي يحتوي على مواد عضوية كالفوسفات مثلاً .. و البروتينات و غير ذلك، و جسم الإنسان يتكون كذلك من هذه المواد و غيرها.

الماء الذي اختلط مع التـراب فصار طيناً، كان يأتي من باطن الأرض، و ليس من السماء مباشرة، ممّا يجعله يحتوي على مواد صلبة كالحديد، و مواد كيمائية عضوية و غيـر عضوية، و التي تُعدّ من أولى أشكال الحياة الـتي ظهرت على سطح الأرض، و لهذا أمرنا ربنا بالبحث عن كيفية بداية الخلق، و منها خلق الإنسان:

·     {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} العنكبوت:20

·       {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر : 49 .. و قد جعل سبحانه لكل شيءٍ قدراً و سبباً لخلقه.

إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ .. يعنـي كما خلق الله تعالى الإنسان أول مرّة في الحياة الدنيا، قادر على أن يخلقه مرة أخرى في الحياة الآخرة من عجب الذنب .. أو الخريطة الجينية له.

·     {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء : 104

·       {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} طه : 55

* * *

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} آل عمران : 59

تُبيّن الآية الكريمة أن المكونات الأساسية لجسد عيسى u لا تختلف عن المكونات الأساسية لجسد أبو الإنسانية آدم u .. مع اختلاف طريقة النشأة .. حيث نشأ آدم من تلقيح بويضة بحيوان منوي ة هي طريقة تكاثر البشر (انظر سورة الحج الآية 84) .. بينما عيسى u نشأ من عملية استنساخ متقدّمة حيث تم مسح جزء من الكروموسوم الجنسي لأمه مريم ثم صدر الأمر الإلهـي (كن) و هي (كلمة) من الله {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} آل عمران : 45 ..

* * *

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام : ٩٨

خلقنا الله I من نفس واحدة و هي الحيوان المنوي وحيد الخلية {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} .. فهذا الحيوان المنوي (يحمل النفس و هو كائن حيّ) يستقر في البويضة (ليس فيها حياة) .. و يلقحها ثم يتكون الجسد بالتكاثر الخلوي .. ثم تنشأ في الجسد الخصيتين (عند الذكور) و هي التـي تصبح مستودع جديد لحيوانات منوية (أنفس) جديدة.

 

بعد الخلق و هو المخطط .. صار البُـرء .. و هي البداية (ارجع لسورة الطارق) .. و هي الإيجاد .. ثم التصوير و هي مرحلة تشكيل الجسد .. ثم التسوية .. و هي اكتمال جميع الأعضاء و منها الأهم و هي السمع و البصر .. ثم الاعتدال و هو بقاء الرأس في أعلى الجسد {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} الانفطار : ٦ – ٨.. و هذه المراحل استغرقت مدة طويلة من الزمن تكوّن خلالها مجموعة كبيـرة من البشر .. و من هذا نستنتج إن الأطفال المتوحدون أو القبائل المتخلفة في جنوب الأرجنتين (و أدغال الأمازون) .. هم من يمثلون هذا النوع من البشر .. لهذا حين يذكر الخالق عزّ و جل في كتابه الكريم كلمة (البشر) .. يكونون مجردين من الروح كقوله تعالى :

        {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا} مريم : ٢٠

      {وَ قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَ أَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} المؤمنون : ٣٣

      {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} المؤمنون : ٢٤.

نتائج هذه النظرية (بعد الرجوع إلى سورة ص) خمس نقاط مهمة و هي :

1-    الحيوان المنوي يحمل حياة و يستقر في البويضة و ينشأ بالتكاثر الخلوي الكائن الحيّ الزايقوت .. إذا فشكل اكتمال الزايقوت لأيّ سببٍ كان .. فسينزل من الرحِم قطعة لحم (دم) لا تحمل أيّ شكل من أشكال الحياة.

2-    إذا استقر الحيوان المنوي في البويضة و اكتمل نمو الزايقوت .. و لكن لم يحضر المَلك في يوم 121 لإضافة الروح إلى الكائن الحيّ المتكون .. لأيّ سببٍ كان .. فسيخرج المولود (جسد + نفس) و هو كائن حيّ ينقصُه الروح .. و هذه المولود يكون من الأطفال المتوحدين .. فهم جسد و نفس فقط (بدون روح) و يساوي بشر .. و هذه مواصفات البشر قبل آدم عليه السلام .. و هي كذلك الحيوانات جميعاً .. فهي تحمل الحياة و لكنها لا تحمل الروح .. علمً بأن النفس لوحدها لها قدرات قد تكون متميزة .. و هذا ما نشاهده عند بعض الأطفال المتوحدين.

3-    إذا استقر الحيوان المنوي في البويضة و اكتمل نمو الزايقوت .. و حضر المَلك في يوم 121 لإضافة الروح إلى الكائن الحيّ المتكون .. فيجتمع الجسد و النفس و الروح فيولد الإنسان الكامل .. و هذا أنا و أنت.

4-    الإنسان الطبيعي جسد و نفس و روح .. و هنا يمكن تحييد الروح من هذا النظام باستخدام القرآن الكريم الذي هو من عالمها (عالم الأمر) فتظهر لنا النفس و تتحدث من منطلق الوعي الجمعي .. و هذا (نسميه المسّ) .. علماً بأن النفس تملك قدرات و معرفة كاملة بصاحبها الروح .. لكن الروح أُعطي التحكم الكامل بالنفس و بالجسد (مثل فارس على فرس).

5-    الإنسان الطبيعي جسد و نفس و روح .. و قد تمكّن الإنسان بالعلم و التدريب من اختـراق هذا النظام و الوصول إلى النفس (التهكيـر الذهني – التنويم المغناطيسي) .. فقد يتمكن المتدرّب من استخدام التخاطر في نقل معلومة من نفسه إلى نفس أخرى .. أو أن يؤثر على نفس إنسان آخر و يستشفّ منها معلومات أو يعطيها معلومات .. كأن يجعل الإنسان ينسى اسمه.

* * *