{ وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)} الضحى: 1- 11

هذه السورة شخصية .. فيها الخطاب لكل إنسان لمصلحته الخاصة .. و في السورة عشر أزواج (كما في الجدول)، تمثل عشرين قطب .. موزعة كالتالي :

·      ( وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)) هذا المقطع الأول و مركز ثقل السورة حيث ضحى و سجى عمليات الطاقة الكونية.

·      {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)} هذا المقطع الثاني و فيه الإسقاط الإنساني في حركته.

·      (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)) هذه الآية الأخيرة و هي تقابل المقطع الأول .

 

1.       

الضحى

<<>> 

الليل إذا سجى

2.       

ما ودعك

<<>> 

ما قلى

3.       

الآخرة

<<>> 

الأولى

4.       

يعطيك

<<>> 

فترضى

5.       

يتيماً

<<>> 

فأوى

6.       

ضالاً

<<>> 

فهدى

7.       

عائلاً

<<>> 

فأغنى

8.       

اليتيم

<<>> 

لا تقهر

9.       

السائل

<<>> 

لا تنهر

10.    

نعمة ربك

<<>> 

فحدّث

من المعلوم أنّ الليل و النهار ينقسمان إلى 24 ساعة و أن لكل ساعة اسم خاص بها .. و يبدأ اليوم الشرعي من غروب الشمس و فيه الطرف الأول من الليل و ونهاية طرف نهار اليوم السابق .. و مع الفجر يكون نهاية طرف الليل و بداية طرف النهار الجديد .. و هما طرفي النهار و الليل .. و داخل الليل و النهار يوجد عدة تقسيمات، و ما بين هذه التقسيمات هي أطراف الليل و أطراف النهار .. و من الأوقات المذكورة في القرآن وقت الشفق و الغسق و الزلفة و السحر و الفجر (6 مرات) و الصبح (3 مرات) و الإشراق و الغدوة و الضحى (4 مرات) و الظهيرة و الرواح و العشي و الغروب (لاحظ العصر في القرآن ليس مرتبط بالزمن). و لنفهم المعاني سنحلل كلمة (طرفي و أطراف) النهار و الضحى و الليل (عسعس و سجى) و الصبح إذا (أسفر و تنفس).

 

 

الليل (7)

الصباح

الصبح(3)

الفجر(6)

السحر

البهرة

الزلفة

الزلّة

الفحمة

السدفة

العتمة

الغسق

الشفق

6

5

4

3

2

1

12

11

10

9

8

7

الساعة

7

8

9

10

11

12

1

2

3

4

5

6

الإشراق

البكور

الغدوة

الضحى (4)

الهاجرة

الظهيرة

الرّواح

العصر

القصر

الأصيل

العشي

الغروب

النهار (2)

 

·      طرفي النهار : {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} هود : 114 أقم الصلاة طرفي النهار .. إذًا النهار له بداية و نهاية .. ففي الطرف الأول انفجار النهار من الليل .. فالفجر بداية ولادة النهار من الليل .. و الغروب هو أخر طرف عند انتهاء النهار و حلول الليل .. فيمثل الطرف الثاني.

·      أطراف النهار : {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} طه : 130 .. فالرضا مرتبط بالنهار و الليل .. و الرضا هنا مرتبط بفلسفة غير العطاء .. لكن داخل النهار تقسيمات أخرى و هي : الطرف الأول : الفجر / الطرف الثاني : الصبح / الطرف الثالث : الإشراق /الطرف الرابع : الضحى / الطرف الخامس : الظهيرة / الطرف السادس : قبل الغروب / الطرف السابع : الغروب.

ملاحظة (العصر فيه من المعصرات.. فهو عصر و معناها العصر).

·      اقسم I بالليل في بداية سورة {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} و لم يقسم بالنهار لوحده .. لأن النهار نتيجة الليل .. و الليل له سبع أفعال في القرآن هي :

1.      {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} التكوير : 17

2.      {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} الضحى : 2

3.      {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} المدثر : 33

4.      {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} الانشقاق : 17

5.      {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} الفجر : 4

6.      {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} الشمس : 4

7.      {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} الليل : 1

·      العسعسة و السجى : الليل إذا عسعس و سجى .. عمليتين متسلسلتين .. آخر حرف في عسعس هو أول حرف في سجى .. و العسعسة إذا حصلت يأتي بعدها سجى .. {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} يس : 37 فالليل هو الأصل الذي ينسلخ منه النهار .. فعسعس هو فعل يقوم به الليل مكوّن من حرفين مكررين (عين سين عين سين) ثم يتلوها بادئة سجى .. و لتحليل الموقف نجد أنّ داخل جسم الإنسان ظلام، فلا يمكن أن تعرف ما بداخل الجسد إلا باستخدام المناظير و الإضاءة المصاحبة .. فاتصال هذا الظلام الداخلي مع ظلمة الليل الخارجية هي العسعسة .. أيْ أنّ الظلام الداخلي أصلًا موجود فلما جاء الليل من الخارج اتصل الليل الداخلي بليل السماوات السبع .. فيتم هنا سحب الطاقات و تطهير الخلايا و هذا هو السَجى .. و النائم بالليل يستيقظ الصُبح بنشاط و حيوية و هذه نعمة السجى.

·      اقسم I بالفجر في بداية سورة {وَالْفَجْرِ} و هو طرف النهار القادم و طرف الليل المنصرم.

·      أقسم I بالصبح داخل السورة {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} .. و لم يقسم به في مطلع سورة، و الصبح يأتي بعد صلاة الفجر بساعة أو نصف ساعة قبل الشروق، كلمة صُبح و منها أصبح، الانتقال من حالة لنقيضها، فالصبح أفضل وقت تأخد فيه معلومات و بيانات، و هذه الفترة هي أفضل وقت يتم تركيب فيه المعلومات على عالم المادة، و الصبح لفظ مذكر .. {… إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} فمع دفعة المعلومات و الأقدار الجديدة التي تنزل لهم .. ستدمرهم في فترة الصبح .. {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} حيث نجد دائمًا العقاب يكون صباحاً، لأن الصبح هو وقت تعديل المعلومات.

·    تنفس : {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} تنفُس الصبح يعطي العالم المعلومات التي تحوله من السكون في الليل (السبات) إلى حالة الحركة في النهار (المعاش) .. و التنفس حركة داخلية صادره عن النفَس .. حيث (نفَس) تبدأ بالنون ثم الفاء و السين .. فالجوامد ثابتة و ليس فيها حركة، و حين تبدأ تتصل بمصادر الطاقة و الحركة و الانتقال و التحول يكون هذا تحت اسمها الضمني {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} النمل : 88 .. الآن أجسامنا من غير نَفَس تكون جسد فقط .. لكن الذي يجعل للجسم البشري له قيمته هو (النَفَس) الذي يعطيه الحركة و الحيوية و الفعل و القدرة.

·    تنفس و أسفر: الصبح إذا أسفر و تنفس كلمتان تتقاطعان في حرفين الفاء و السين فالمعنى متشابه في الكلمتين .. أفضل وقت تقتنص فيه معلومات وقت الصبح إذا أسفر لكامل لليوم .. فبعد الصبح، الإشراق و هي عملية تنتهي بسرعة و شرع فيها الخالق I التسبيح.

·    اقسم I بالضحى في بداية السورة {وَالضُّحَى} .. إذ الشمس بمروجها النارية تثبّت المعلومات في المخلوقات و هنا يبدأ الضحى، و هو وقت العمل و الإبداع و فيه التأثير الفعلي في النفوس و فيه وقت اللعب و هو وقت الظهور الفعلي للنتائج الحثية الحركية، و يستمر الضحى وقت إحياء المعلومات إلى الهاجرة.

·    لم يقسم I بالظهيرة، و هي لفظ مؤنث سماها الله عورة من ضمن ثلاث عورات {… ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ..} النور : 58، إذًا وقت الظهيرة و عند اشتدادا الشمس في قلب السماء عورة يجب أن نستريح فيها داخل البيت .. و الظهيرة لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن.

·    من ثنائية الكون العجيبة نجد الماء و النار، نجد أن النهار يمثل النار بسبب حرارة الشمس و الليل يمثل الماء و هو يلطّف النار .. فالنار تعطي طاقة الحركة و الليل يُنظف و يسكّن الأعضاء .. فنجد أن قدرتنا على الشفاء تزيد في الليل .. لأن الليل ينظف و يسكّن .. لهذا نصوم بالنهار في وجود الشمس و دخول الطاقة .. و تعاقب الليل مع النهار و ثنائية البرودة و الحرارة و تحقق الرضا بوجود العطاء .. فالمعلومات و الأقدار لا تدخل في الكائن الحي إلا بوجود النار (الشمس) .. مثال على هذا : اللحمة الباردة .. لِيخرج منها الطعم الجميل و الرائحة الزكية نعرّضها للنار فتتحرر الطاقة الكامنة فيها، و بالتالي في الصبح تُرسلْ المعلومات (الأقدار) و في الضحى و مع الشمس و الحرارة اللطيفة تبدأ هذه المعلومات تدخل إلى الجسد و النفس و تتفاعل فيها قدرات الإيواء و الهداية و الغنى .. فمن يخرج من بيته يلزمه الإيواء و الغنى و الهداية في وقت الضحى كما سنرى.

·      وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى : هاتين الكلمتين قطبي السورة .. فكل دورة في السورة تزيد من محور الرضا .. لهذا ندخل في تفاصيل الضحى و الليل:

        {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} الضحى في القرآن تكرر 4 مرات، فالشمس آية الضياء و في نفس الوقت لها آية وهي الضحى، إذًا الشمس لها علاقتين تبدأ بحرف الضاد هما : الضياء و الضحى .. لكن في سورة الضحى يقسم I بالضحى فقط مستقلاً به كآية من غير الشمس .. مما يدل على أنّ الضُحى أمره عظيم.

        {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} هنا يتكلم I عن السماء، فالليل يخصّ السماء فأغطش ليلها و من السماء أخرج الضحى أيضاً.

        {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} .. أغلب الآيات الكونية تحصل للأنبياء بالليل .. ما عدا آيات محدودة .. مع إنّ موسى u الذي تدرب على تحويل العصا لثعبان بالليل .. و من الآيات التي حدثت في الليل الإسراء {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا} أو {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} و {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} فبني إسرائيل خرجوا من مصر و انفلق لهم البحر في الليل.

        {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} .. معظم الإنسانية تعمل في وقت الضحى فسمّاه الله I لعب .. فنجد أن أفضل أربع ساعات للعمل الدنيوي هي ساعات الضحى في كامل الـ 24 ساعة، و ذلك من الساعة 07:00 بعد الشروق إلى الساعة 12:00 و هذا أفضل وقت يمارس عليك فيه الإيواء و الهداية و الغنى (كما سنرى).

        {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} طه : 119 ضَحى أبرز حرفين فيها الضاد و الحاء .. الضاد معناه غلبة و وضوح لدرجة إنها تنفي النقيض .. و الحاء إحاطة مثل حاجب أو حاجز .. فأي كلمة تبدأ بالحاء تعني الإحاطة أو الدوران.

        {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} النازعات : 46 .. حيث الضحى كان هو وقت اللعب.

·      و بالنسبة لليل :

        {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} فالليل ليس زمنٌ فقط .. بل موجود الآن على الأرض و باستمرار دون انقطاع .. يغطي 12 ساعة تمثل نصف الكرة الأرضية المعاكسة للشمس .. كذلك الليل ليس مرتبطاً بالأرض فقط، بل و يوجد من غير الأرض أيضاً في المجموعة الشمسية و خارجها .. و الظلام نتيجة من نتائج الليل و ليس هو الليل .. فالليل ككائن موجود حتى في النهار .. فالليل و النهار مخلوقات مثل الإنسان لكن خفيفة جدًا .. و الليل تحدث فيه الآيات .. و الكون كله توجد فيه مادة الليل المنتشرة كأنها بحر .. و هو بالفعل البحر الرابط بيننا و بين السماوات السبع .. بالليل يكون اتصالك بأخر سماء أسرع من اتصالك في وجود الشمس نهاراً .. و قد ألّف (ستيفين هوكينج) كتاب (تاريخ موجز للزمان) حاول فيه أن يصف الزمن .. و لم أجد وصف أدق من قول الرسول "يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، فيُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: هلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي: يا أهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ: وهلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، فيُذْبَحُ، ثُمَّ يقولُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فلا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ}، وهَؤُلاءِ في غَفْلَةٍ أهْلُ الدُّنْيا {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} مريم: 39" .. خلود فلا موت أي أنّ الزمن انتهى (و هو تمثيله بالكبش).

        {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} الوفاة أو النوم بالليل يجعلنا نسبّح في مادة الليل .. فلم يقل I في الليل، فالباء معناه أداة أو وسيلة .. يعني تتوفى أرواحنا و تطلع بمادة أو وسيلة تحملها آية الليل .. لننتقل إلى سدرة المنتهى أثناء النوم.

·        مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى : القطبان الأساسيان للسورة الضحى و الليل .. ما ودعك وما قلى مرتبطتين بآية الضحى و الليل إذا سجى .. فعسعس الليل أيْ وصل إلى مستوى الجينات.

      مَا وَدَّعَكَ : ودّع تشبه التخزين و الوضع في سجى الليل لفترة دون دفع لأي أحداث أو جديد حينها نكون بمرحلة التخزين عند النوم (سُباتا) كأنك في وضع التخزين .. ليبدأ الليل بعمله .. (ما ودّعك ) لو ربنا ودعنا في الليل طول العمر فمستودع .. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ} القصص : 71.

      مَا قَلَى : {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} الشعراء : 168 يعني قلى و قالي .. قلى ثلاث حروف قاف و لام و الياء .. قاف معناه تغيير خواص الشيء، و لام معناه التصاقه بالواقع .. (ما قلى) بالنهار حيث الشمس ترسل مروجها النارية للإنسان فتتغير خواصنا بالنهار لأن النار تعطي للنفس المعلومات .. فتنشط النفس و الإنسان (معاشَا) .. فلو ربنا تركك في النهار تبحث عن الإيواء و الغنى و الهداية فالشمس ستحرق معلوماتك فهو قلاك .. إذاً قلى من الضحى لليل .. قلى أيْ لن يدخل لك الليل لينظفك .. فسجى الليل ينظف منك السلبيات .. فلو أكلت طعام فيه فوائد و كذلك فيه شوائب .. فالكبد بالذات و جسمك يأخذان الفوائد من الطعام ثم تخرج الشوائب في الليل .. و في الطاقة تجد الغنى دخل لك في الضحى و لو كان قلاك لتركك تتغير للأسواء {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} القصص : 72.

·      وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى : الليل يسلمك للضحى يتيم فالضحى يعطيك الإيواء مختلط بالمشاكل ثم ترجع إلى سجى الليل فتنظف المشاكل و سلبيات الإيواء .. ثم الليل يسلمك للضحى و عِندك يُتم أكبر و هكذا .. يعني كل دورة لك في المرحلة القادمة خير من سابقتها بناءً على التالي :

1.     الدورة لها محور الرضا .. و فيها قطبين من القيم (الإيواء الهدى الغنى).

2.     تحدث عمليتين مستمرتين طوال الوقت .. في كل دورة (ما ودعك، ما قلى).

3.     كل دورة خير لك من الدورة السابقة .. كل يوم تزداد إيواء و غنى و هدى .. و تقترب من محور الرضا.

·      وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى : محور السورة أن ترضى .. و القطبين الضحى و الليل إذا سجى .. الضحى طرف من أطراف النهار وقت الجد و اللعب و دخول المعلومات و الأقدار عبر تأثير الشمس في كل دورة كالتالي :

        تقوم الدورة على قيمة الرضا و العطاء .. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى .. الأول الرضا قبل أن يعطيك .. ترضى.

        الخالق I أوجدنا لنعبده و لجزاء ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ البينة: 8 ما بعد الجنات إضافات و منها .. رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ .. و هذا شعور متبادل بين الإنسان و خالقه ينتهي بالرضا.

        الاسم المطلق في القرآن الكريم يعني اللامتناهي و منه (رضوان) من الرضا {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)} .. فمن كثرة الرضا في الجنة نرضى عنه I و يرضى عنا .. و العطاء ليس عطاء المال .. بل القيم الكبرى في الإنسان.

·      فَتَرْضَى : هدف السورة (فترضى) فالاستقلالية في الرزق ضرورية لأيّ شخص يسعى للرضا و العطاء الغير المنقطع حتى في حالة إغلاق أبواب الرزق أمامك .. فإنه يغنيك عن كل شيء في هذا الباب، و الهدف من سورة الضحى عطاء يوصلك لآية الرضا .. و قد يكون الحِرمان من شيء غِناً عنه كي تصل للرضا من زاوية أخرى، لهذا النبي يحب أن يكون مستقل ماديًا .. فالأنبياء كانوا أغنياء .. فغني (غ ن ي) كلمة كأنها سدّ أكبر من المال .. (الأغنى) من يقدروا أن يسدّوا حاجتهم بأنفسهم .. مثال : شهوة الأكل تندرج تحت عائلًا فإذا أكلت الأكل يعتبر مصدر غنى، إذاً فأغنى أيْ أعطاك داخلياً مصادر الحاجة التي تجعلك مستكفي و غير محتاج .. و تكون المصادر غير ظاهرة و مختفية .. فمثلًا الجوعان إذا أكل يبدأ يبث طاقته و يسد حاجته .. بهذا يكون غني بالأكل .. إنّ العائل هو فاقد مورد سد الحاجة و لا يملك مصدر يشبّع غرائزه .. و الذي يغنيه من الخارج مثل الممول يعطيه المورد الخفي الذي يعينه و يجعله غير مضطر لان يُظهر احتياجه .. و بالتالي الفعل أغنى لا يخص المال فقط فهو فعل نفسي .. أيْ لم يعد مضطرًا لإظهار حاجته للآخرين لأنه صار لديه مصدر تمويل و غنى شخصي.

·      أَلَمْ يَجِدْكَ : وجدك .. الإنسان يحمل صفات، لكنه حسب كل مرحلة يدخلها يكون فاقد لصفات المرحلة الجديدة .. و لأن الإنسان الصحيح لا يتوقف عند مرحلة معينة .. و بالتالي لابد دائمًا أن تتغير صفاته للأحسن و بالتدريج، و بالتالي لو وجدته في مرحلة لوجدته بصفات المرحلة الجديدة .. مقارنة بالمرحلة القادمة لها صفات معينة مناسبة للمرحلة (من الإيواء و الهدى و الغنى) .. فهو من زاوية أكرمه و من زاوية أخرى تم ترقيته لمرحلة جديدة .. فهو وجدك في مرحلة معينة.

·        أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى : كلنا يُتامى في الأصل، ففي عالم الأزل لم يكن لنا آباء، و خروجنا على الأرض من الأب على شكل نفس يحملها الحيوان المنوي ماديًا (حقل)، لكن الأرواح التي نحملها ليس لها أب أو ابن، و يوم القيامة {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} الحجر : 47 .. فرابط النسب و رابط الصهر هو رابط بشري أرضي ﴿مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ﴾ لقمان: 28 لهذا نحن في الأصل يُتامى.

·        في هذه السورة ثلاث قيم كبرى و هي الإيواء و الغنى و الهداية (أو الهدى) .. و كل القيم الأخرى نتائج من هذه القيم، أو فروع منها .. و هذه القيم الثلاثة وردت في السورة على النحو التالي :

1.           قيمة الإيواء : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى كلمة يتيم في العموم تُطلق على من ليس لديه مصدر دعم و حماية و قوة من الخارج و لا من الداخل .. فالطفل الصغير ضعيف و لا يملك مصدر دعم في نفسه (من الداخل) .. و فقد الأب (من الخارج) .. فلمّا يبلغ و يعقِل يكون الشرط الأول (من الدخل) انتهى .. لكن و لأن لليتيم شرطين .. لو امتلكها داخليًا و خارجيًا فلن يكون يتيم .. مثال: من لا يملك جنسية .. يكون لاجئ أو مهاجر أو من غير أوراق شرعية (علماً بأن مفهوم ابن السبيل هو البائع المتجول) فلا يجد دعم أو اعتراف خارجي فهو يتيم إذاً، و الشخص الذي لا يجد أحد يعرفه و لا يستطيع التعريف بنفسه لأحد فهو يتيم.

·      الْمَأْوَى : هناك فرق بين الإيواء و السكن عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ .. و داخل الجنة مساكن {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة : 72 .. الحيّ الذي تسكنه اسمه مأوى، لكن البيت هو المسكن، فالبيت مسكن إلّا إنه ليس المأوى .. فنحن على الدوام محتاجين إيواء مستمر كل يوم .. اليتيم في مراحل يحتاج كل مرّة لإيواء جديد .. فكل مرحلة من مراحل حياتنا نكون فيها يتامى و نحتاج لإيواء جديد .. و اليُتم ليس عملية منتهية لذا قال تعالى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى .. بالتالي فأنت محتاج الإيواء في جميع المراحل .. فكل مكان جديد عليك أنت فيه يتيم، و كل مرحلة أكبر من حجمك و إمكانياتك فأنت فيها يتيم، و بالتالي اليُتم ليس عملية حدثت في الماضي و انتهت، بل هي عملية مستمرة .. فبمجرد ما تخرج من الحيّ (المأوى) يبقى عندك نسبة يُتم .. و لما تخرج من المدينة تزداد نسبة اليُتم .. و في الطائرة نسبة أكبر .. فلما تسافر لدولة أخرى تكون نسبة اليتم أكبر، المثال :سفارة بلدك في أيّ دولة في العالم هي من تؤويك لأنك مواطن لجنسيتها .. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ .. فأنت إن فقدت الدعم الخارجي لك (من السفارة) فأنت يتيم محتاج إيواء .. إذًا أيّ حالة تكون فيها فاقد الدعم خارجيًا أو داخليًا فانت فيها يتيم .. و الإيواء معناه من آوى و هو اللجوء للحماية و الدعم :

      قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ .. أي احتمي به و يكون لي دعم .. بينما كانت سفينة نوح هي المأوى.

      قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ .. الإيواء هنا يعني قوة و حماية و دعم .. يعني ظهرٌ لي .. أو قال لي بكم قوة .. يعني أنا عندي القوة من نفسي (الدعم الداخلي ) .. و بما أنه ليس لي القوة من نفسي سآوي إلى ركن شديد (الدعم الخارجي)، إذًا كل بني آدم، حتى لو كان عنده أهل هو يتيم محتاج إيواء .. فإذا انتهى اليوم فأنت تحتاج إيواء جديد و قد يكون مختلف ليوم غد .. و هكذا دواليك ،و كل يوم ربنا I يبعث لك مأوى جديد .. إلى أن تصل مرحلة (فترضى).

من سمات المأوى إنه يكسبك التعريف .. فإذا سافرت إلى بلدٍ ما و هناك قابلت شخص يعرف لهجتك و نفس جنسيتك فإنه سيوفر لك قيمة المعرفة و الأُلفة فتندرج هذه العلاقة تحت المأوى .. فتبقى أنت دعمه أو سنده و هو يبقى سندك في البلد الغريبة .. و هذا جزء من إيواء الله I لنا .. إذاً المَسكن هو المكان الذي ترتاح و تستقر و تضع فيه ثيابك .. فالمسكن للراحة و الهدوء و الاستقرار، لكن المأوى للدعم و الحماية .. المسكن مثل شقتك و بيتك بينما المأوى مثل شارعك و سفارتك.

2.           قيمة الهداية : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى .. المعلومات توفر لنا مصدر الحركة و المعرفة، و من يفقد المعلومة يكون ضال، و المعلومات نوعين معلومات هدى و معلومات هوى .. و الفرق بينهما حرف واحد فقط {.. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ..} البقرة : 120 .. {.. فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى ..} النساء : 135.. فكلنا نتحرك بنظام معلومات .. فقد يحمل الإنسان 10% من نظام الهوى و 90% من الهدى و الإجمالي دائماً 100%.

·        ضَالًّا : حرفين (ض) الضاد حرف غلبة قوي جدًا .. السورة تبدأ بكلمة (الضحى) و فيها حرف الضاد .. و في منتصف السورة (ترضى) فيها حرف الضاد أيضاً .. إذًا حرف الضاد حرف بارز في هذه السورة، ضلّ ضاد و لام مشددة، اللام تعني إنك ملتصق بالواقع و الضاد حرف غلبة و يعني الواقع غالب عليك و هو من الحروف القوية .. و معروف أن أيّ كلمة تبدأ بحرف الضاد معناها إنها غالبة و منتشرة لدرجة إنها تلغي النقيض .. مثال : ضياء الشمس لأنه بادئ بالضاد يلغي الظلام فإذا جاءت الشمس بضيائها لا يبقى ليل .. و الفرق بين النور و الضياء .. إنّ النور لا يلغي الجميع فتجد نور القمر موجود و حوله ليل .. ضلّ فيها حرفين لام، و اللام تعني إنك ملتصق بالواقع و قبلها ضاد و هذا يعني أنّ الواقع و الظروف حولك و التي أنت ملتصق بها .. فحرف اللام المضعّف يدل على أنها غلبت عليك و بقيت هي مصدر معلوماتك .. و الذي مصدر معلوماته الواقع و المحيط حوله يكون ضال و محتاج إلى الهدى.

·        فَهَدَى : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى .. فالهدى لا يُنسب إلّا لله، و الفرق بين الهدى و الهوى .. أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ .. فالهوى في القرآن يُنسب للنفس .. إذًا الهدى هو نظام معلومات إلهي .. مِن مَن خلق النفس .. و الهدى (هاء دال ياء) تعني أنّه تم تفريغ النظام في النفس و لو تمّ اتباع النظام فهذا يعني دفع و ظهور تأثير حسيّ للمعلومات .. فحرف الدال يعني القدرة على الدفع و التحرك بناءً على النظام.

·    الْهَوَى : {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} النازعات : 40 فيه حرف الواو الذي يعني أنه جمع المعلومات بنفسه و بالتجربة .. فجمع معلومات (هاء واو ياء) و بدأ يتحرك بها .. لكن هذه المعلومات ليست صحيحة 100% .. و الإنسان طول عمره عنده نسبة ضلال (هوى) و محتاج للهداية .. و هي المعلومات الأصلية النقية من الله I و التي تطلعنا على التعامل في المواقف و الأشياء .. وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .. لاحظ أنه لا يوجد حرف فاصل بين الكلمتين عِلْمٍ هُدًى، إذا الهُدى هو العلم الأصلي .. إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ.. فكل معارف و علوم البشر في القرآن إمّا ظنّ و إمّا خرص (يخرصون) .. الظنّ هو إحساس و فلسفة العلماء، فعندما ينظرون إلى الذرة بالمايكروسكوب الإلكتروني يضعوا الفرضيات، ثم النظريات، ثم يجعلونها حقائق علمية و هي الظنّ (الظن ما يزيد عن 50% و هو الشك و يقل عن 100% و هو اليقين) .. و يخرصون من خرص و يعني يقدرون .. فيكتشف العلماء الذرة و يحسبون انهم وصلوا لمركز الخلق .. ثم يصلون إلى بُعد خفيّ أدقّ من الأول و هي النواة (بروتونات و نيوترونات) فيفرحوا لفترة أنّهم وصلوا لمركز الخلق .. ثم يبحثوا إلى ما بداخل الإلكترون و يستمر بحثهم عن سرّ الخلق و هكذا .. و يزيد على الظنّ و الخرص، الهوى .. فالهدى عندما تأخد العلم الأصلي مِن يعطيك العلم الأصلي الذي ليس منه ضرر إطلاقاً .. قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ .. فنحن لا نهتدي من معلوماتنا الخاصة .. فالهُدى الأصلي من الوحي فعلًا.

3.           قيمة الغِنى : وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى .. حتى الثريّ يُعتبر عائلًا، فربنا أغناه فلم يقل وجدك فقيرًا فأغنى .. مع إنّ فقراء عكسها أغنياء، لكن هنا عائلًا فأغنى و ليس فقيرًا فأغنى أو فأعطى .. فالأغنى مهمة جدًا، في اليُتم تكلم القرآن عن مصدر الحماية و الدعم و القوة، و في الضلال تكلم عن الهُدى و المعلومات و حركة العاقل.

·      فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ : قهر اليتيم سينعكس على الإيواء .. بما أني أنا يتيم .. فإذا لم أقهر اليتيم سيؤويني الله، و تتناغم مع الآية .. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى .. (قهر) كلمة حسّية قوية {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الأنعام : 18، {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعراف : 127.. و يأتي مع القهر الفوقية .. معناها التمكن و الإحاطة و القوة و السيطرة و النفوذ هذا هو القهر، و قد يأتي على فاقد الدعم لذا قال تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ.

مثال على القهر: إذا دخل حيوان مفترس على شخص معه سلاح فلا ينطبق عليه اليُتم .. لكن لو فقد السلاح الذي يدافع به عن نفسه يعتبر فاقد الدعم الداخلي يتسمّى يتيم .. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ..أيْ لا تزيد في يُتمه، و في مثال آخر: لو دخل ثعبان سام على شخص و حوله سلاح يمكن أن يصل إليه .. فهو فاقد الدعم الخارجي و الداخلي .. فإذا حاول يقترب من السلاح ليدافع به عن نفسه .. و قام شخص آخر و أخذ عنه السلاح فهذا أسمه قهر، فقد قطع عليه سُبل الدعم.

·      وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ : هناك فرق بين الآيتين .. الفرق بين (قهر) (نهر) حرف واحد فقط .. القاف و النون .. و شملت (وجدك ضالًا فهدى و وجدك عائلًا فأغنى) .. أما السائل الذي يشمل الضال و العائل .. سأل (سين) يعني نقطة مركزية، السائل هو من لديه نقطة مركزية و محورية تتوقف عليها بقية ملفاته و أموره و مصالحه و تفكيره .. و مثال : الرجل الذي زوجته في حالة ولادة .. لن يُنتج .. فهناك نقطة مركزية عِنده تعمل له مشاكل في بقية الملفات .. لهذا يجب أن لا تنهره .. و مثال آخر: طالب الجامعة إذا وقف الأستاذ الجامعي ضدّه .. فالطالب بالنسبة له الشهادة هي نقطة محورية و مركزية معتمد عليها مستقبله و تفكيره .. فوقوف الأستاذ الجامعي ضده هو نهر للسائل (الطالب) .. و مثال آخر: الشخص الذي يطلب سيارة أجرة على طرف الشارع .. فإذا مرّ صاحب سيارة أجرة هو شاغر و شاهد هذا الراكب و لم يقف .. فهذا نهر للسائل .. لأن الراكب ارتبط شغله و حياته متوقفة على ركوب السيارة .. و هذه نقطة مركزية محورية توقف عليها بقية ملفاته.

o     {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}

o     {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}

o     {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}

o     {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}

ألحظ أنّ التوجيه في هذه السورة بالنواهي (لا تقهر / لا تنهر) .. حيث إنّ العائد من تنفيذ التوجيه هو الإنسان نفسه .. فإن أنت قهرت اليتيم أو نهرت السائل فعواقبه تكون عليك أنت.

·      وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ : هذا أمر إلهي (و أمّا) مثل قوله تعالى (أقم الصلاة) قال I : حدّث بنعمة ربك:

        بِنِعْمَةِ : الأنعام من نِعمة أو نِعم أو نَعمة.. و النِعمة هي طاقة من الأنعام بعد أن تأكل من لحومها فتولّد من هذا الأكل طاقة .. نِعمة لأنها مصادر طاقة تصيب الإنسان في مكان خفي تصل إليه و تتوحد معه .. فبعد أكل اللحوم ستدخل مكان خفي (الميتوكوندريا) .. من كلمة (نِعمة) حرف (نون) تبدأ تصدر طاقة لك، (عين) مختفية و تداخلت معك في إصدار الطاقة .. (التاء) إمّا مفتوحة أو مربوطة:

·      التاء المربوطة (نعمة) وردت في القرآن في عدة مواقع دون أن تُنسب إلى الله :

o     (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (تاء) مربوطة .. عامة و فيها الحد الأدنى .. فكل إنسان عنده نعمة.

o     (مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) (تاء) مربوطة .. خيار واحد فقط (مجنون).

o     {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل : 18

o     {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الشعراء : 22

o     {وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}

        التاء المفتوحة (نعمت) لم ترد في القرآن الكريم إلّا منسوبة لله عدة مرات و للرب مرة واحدة :

o     {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} (تاء) مفتوحة لأن خياراتها أكثر.

o     {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} إبراهيم : 34

o     {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة : 40

o     {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} النحل : 114

إذًا الغاية هي الشكر، فالعبادة هدفها الشكر الذي يوصلك في الآخر لله .. (نعمت) بالتاء المفتوحة هي النعمة المعروفة و الظاهرة و الواضحة و المميزة في الوعي {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} النحل : 83 بـ(يعرفون) اللفظ بالمضارع ثم ينكرونها، و إنكارها هو المصيبة.

        {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} البقرة : 211 .. ربنا حذّر من تبديل نعمته .. فإذا اختصك بنعمة خاصة و ظاهرة في وعيك فإن أنت بدّلتها فعقابك شديد .. فالنعمة العادية تذّكرنا بالله و هذا أدنى مستوى في الذكر .. فإذا ميزك بنعمة ثانية فعليك شكره و الشكر أعلى من الذكر.

        فَحَدِّثْ : قال حدّث (بـ ) و ليس حدّث (عن) .. يعني التحديث سيكون بوسيلة اسمها (نعمة ربك) و من نِعم الله اللسان و هي أداة الحديث .. لما تُحدّث أيْ تقوم بالتحديث .. فلما تُطبق الآية يحصل (و لسوف يعطيك) النِعمة الثانية (بالتاء المفتوحة) .. فالنعمة لها 3 أوامر /و اذكروا النعمة/ اذكروا النعمة/ حدّث بالنعمة .. و بالمناسبة اشكروا للنعمة و اذكروا للنعمة جاءت لفظ الآية مخاطبة للجمع، لكن حدّث جاءت مخاطبة للفرد أيْ حدّث أنت لوحدك ..

o     {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} المائدة : 7

o     {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} الأحزاب : 9

o     {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} الضحى : 11

      حدّث 3 حروف (حاء) حرف الإحاطة، و (دال) لدفعها للعالم المادي، و (الثاء) تغيرّ تدريجي لطيف في أمور الحياة .. إذا حدّث معناها تغيير تدريجي سهل لطيف مدفوع و متحرك بعد الإحاطة بالشيء .. فالله أعطاك نِعم عادية جداً حدّث بها فإذا حصل ستأتي النعمة الخاصة .. بالتاء المفتوحة.

مثال : عندك الصحة و هي نعمة عادية غالباً، فإذا كنت فاشل في شغلك أو علاقاتك لكن عندك الصحة و الله I يقول يا إنسان حدّث بنعمة ربّك هذه .. فأيّ إنسان عنده باب أمل .. فإذا كان يائس و عنده مرض .. بمجرد بصيص أمل و شيء يحبّه و لو صغير .. فمجرد تركيزه على ما يحب .. يبدأ يستخدمه في إسقاطه على باقي أموره .. فيعّدل له صحته و باقي أُموره الأخرى .. لأنه طبّق مبدأ و أمّا بنعمة ربك فحدّث .. فينتج كمال و تمام الصحة في حياته .. إذا نعمة واحدة من الله كفيلة بإنجاح بقية ملفات حياتك.

مثال : طلوع الشمس نِعمة تخصّ كل إنسان .. و هي نعمة لازم تُحدّث بها .. أيْ تتكلم عنها .. تحدّث بالنعمة بأنّك أخذت هذه النعمة و بدأت تشاهد تأثيرها متدرج سهل خفيف لطيف في مجالات مختلفة .. و هذا هو تحديث النعمة.

* * *