{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} الشمس : 14

كلمة دمدم .. من الكلمات الترددية التي تهز الجنان .. و لها أمثال في القرآن الكريم، زلزل، زحزح، ذبذب، وسوس، حصحص، صلصل، صفصف، كبكب، هدهد، صيصي، صرصر، رفرف، لؤلؤ، سلسل، عسعس، دمدم .. و هذه كما يلي :

1.     الفرق بين الزلل و الزلزلة يتمثّل بتكرير الفعل، فالزلل إنما هو مرة واحدة (فأزلّهما الشيطان) البقرة:36، و هو بمعنى أذهبهما عنها، و تكرير الحروف تنبيه على تكرير معنى الزلل:

o     {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} البقرة : 214

o     {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} الحج : 1

o     {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} الأحزاب : 11

o     {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} الزلزلة : 1

2.     القرآن يوظّف الكلمة لتحاكي أصواتها، فالزاي صوت يعبّر في بعض المواقف عن الشدة و عن العناية تارة أخرى، و هنا لها حضور ظاهر في هذا السياق فقد أكسبها مع صوت الحاء انسجاماً حدّدا الدلالة و هي النجاة:

o     {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} البقرة : 96

o     {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..} آل عمران : 185

3.     إن الذبذبة مشتقة من تكرير ذب إذا طرد، لأن المطرود يعجل و يضطرب، فهو من الأفعال التي أفادت كثرة المصدر بالتكرير:

o     {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} النساء : 143

4.     وسوس تدل على الهمس في الإغواء، و من يتكلم في شرّ يهمس خوفاً من أن يفضحه أحد، وكأن كل شر لابد أن يأتي همساً، و «وسوس» مأخوذة من الصوت المغري فهي صوت رنين الذهب و الحلي المتكرر :

o     {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} الأعراف : 20

o     {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} طه : 120

o     {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ق : 16

o     {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} الناس : 5

5.     حصحص و وضح الحق بعد خفاء، و ظهرت حصة الحق من حصة الباطل، و لا بد من الاعتراف بما حدث، و مما زاد من حسن بيان المعنى المتضمن في هذه اللفظة خفة الانتقال من الفتحة إلى السكون ثم فتحتان، و اختيار صيغة الماضي التي تحقق ذلك:

o     {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} يوسف : 51

6.     صلصال الصاد و اللام أصلان: أحدهما يدل على ندى و ماء قليل، و الآخر على صوت :

o     {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} الحجر : 26

o     {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} الحجر : 28

o     {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} الحجر : 33

o     {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} الرحمن : 14

7.     صفصف الصاد و الفاء يدل على أصل واحد، و هو استواء في الشيء و تساو بين شيئين في المقر، من ذلك الصف، يقال وقفا صفاً، إذا وقف كل واحد إلى جنب صاحبه:

o     {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} طه : 106

8.     كبكبوا مضاعف كبوا بالتكرير و تكرير اللفظ مفيد تكرير المعنى مثل: كفكف الدمع:

o     {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} الشعراء : 94

9.     الهدهد: نوع من الطير:

o          {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} النمل : 20

10.  الصياصي: الحصون، و أصلها أنها جمع صيصية و هي القرن للثور ونحوه، كانوا يستعملون القرون في مناسج الصوف و يتخذون أيضاً منها أوعية للكحل و نحوه، فلما كان القرن يدافع به الثور عن نفسه سمي المعقل الذي يعتصم به الجيش صيصية و الحصون صياصي:

o     {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} الأحزاب : 26

11.  فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ، أي في صيحة، و من هذا المعنى صرير الباب و القلم، أي صوتهما، و الريح الصرصر هي الريح العاصفة الشديدة الهبوب التي يسمع لهبوبها صوت شديد، وعلى هذا، فالصرصر من الصرة التي هي الصيحة المزعجة.. مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .. الصرّ الذي هو البرد الشديد المحرق، فالصرصر هي الريح العاصفة التي يكون لها صوت و صرصرة، وفيها هبوبها برودة من شدة سرعة تنقلها:

o     {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} فصلت : 16

o     {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} القمر : 19

o     {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} الحاقة : 6

12.  لؤلؤ اللام و الهمزة يدل على صفاء و بريق، من ذلك تلألأت اللؤلؤة، و سميت لأنها تلألأ:

o     {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} الحج : 23

o     {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} فاطر : 33

o     {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} الطور : 24

o     {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} الرحمن : 22

o     {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} الواقعة : 23

o     {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} الإنسان : 19

13.  رفرف جزئين أحدهما المصّ و ما أشبهه، و الثاني الحركة و البريق، و شاهد الأول و هو المصّ، يقال: رفّ يرُف رفّاً: و هو المصّ و الترشّف، و أما شاهد الثاني فقولهم: رفّ الشيء يرِفّ رفّا، إذا برق لونه و تلألأ، و أما ما كان من جهة الاضطراب فالرفرفة هي تحريك الطائر جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه:

o     {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} الرحمن : 76

14.  سلسل السين و اللام أصل واحد، و هو مدّ الشيء في رفق وخفاء، ثم يحمل عليه :

o     {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} غافر : 71

o     {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} الإنسان : 4

o     {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} الحاقة : 32

15.  عسعس العين و السين أصلان متقاربان فأحدهما الدنو من الشيء و طلبه، والثاني خفة في الشيء، فالأول العسّ بالليل، كأن فيه بعض الطلب، فعسعس الليل، أي قفل راجعاً، و ذهب ظلامه الذي كان مخيما على الكون:

o     {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} التكوير : 17

16.  دمدم يقال: دمدمت على الشيء: إذا أطبقت فكرَّرت الإطباق، و هذا ما تمّ بعد نزول العقاب على قوم صالح .. فقد تم تغطية منطقة العذاب بطبقات متعددة حتى تصبح المنطقة صالحة للسكن من جديد .. و لا يخاف من أتى عقِبهم:

o     {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} الشمس : 14

* * *