{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)} الشرح : 1 – 8

الفرق بين النبيّ و العالِم و الباحث هو الوحي .. و السعيدُ فيهم من فهِم لُبّ الحياة .. في هذه السورة منطقتي الصدر و الظهر .. حيث إنّ لكل منطقة في جسم الإنسان سرّ من أسرار الله I .. الم نشرح لك صدرك .. خطاب موجّه للمفرد .. و أيّ لفظ مفرد أو أمر مفرد في القرآن الكريم، فهو يخاطب كل إنسان على حِدة من السّبعة مليار على وجه الأرض، أمّا الأمر العام في صيغة الجمع فيخاطب به الجماعات و الناس عامة، مثلًا (أقم) الصلاة لكل فرد .. لكن (لقيموا) يخاطب المؤسسات و الناس .. و سورة الشرح خطابها للمفرد .. ألم نشرح (لك) صدرك، و وضعنا (عنك) وزرك، الذي انقضَ (ظهرك)، فإذا (فرغتَ) فانصب، و إلى (ربك) فأرغب .. يتضح من ضمير المخاطب أنّ السورة تخاطب كل إنسان، فإذا استوعبت أنّ الخطاب موجّه لك دون أنْ يكون بينك و بين الله وسيط .. ستهتز جوانحك مباشرةً، و يبدأ يحصل لك التغيير الذي حصل للأنبياء و الرُسول، فقد كانوا أكتر الناس انشراحاً و سعادةً، و أكثرهم وعياً و إدراكً .. هذه السورة لها مقدمة و محور و خاتمة .. و (إن مع العسر يسرا) هي محورها .. و جاءت المقدمة بصيغة الماضي و الخاتمة بصيغة الأمر.

إن خطوات حلّ أيّ مشكلة تواجهك في الحياة هي شرح الصدر، يليه وضع الوزر عن الظهر، يليه رفع الذِكر ثم إنّ مع العسر يسر .. ففي السورة أمرين من الله .. (فانصب) (فأرغب) .. و أقرب عنصر للمحور (رفعنا لك ذكرك)، فكلما اقتربت من المحور يأتيك الشيطان ليعسّر لك المسائل و يعمل على رفع الذكر عنك .. ثم يضع عليك الوزر، ثم يضيّق صدرك .. لهذا أعطانا الله في منطق السورة هذه الخطوات: نشرح لك صدرك أولا، ثم نضع عنك وزرك، ثم نرفع لك ذِكرك .. و منه نعرف أن رفع الذِكر هو أقرب خطوة لليُسر .. و للوصول لليُسر مع العُسر، يجب أن تنصب و إلى ربك ترغب.

إن السورة بدأت بمسار من الداخل إلى الخارج، و من الماضي للحاضر، و من العُسر لليُسر.. فمن صفات الله هو الأول و الأخر، فحين يحدثنا عن الموت مثلاً الأخِر، سيكلمنا أيضاً عن خلق الجنين الأول .. و هو الظاهر و الباطن، فحين يكلمنا عن النفس و الباطنية، يكلمنا أيضاً عن السلوكيات و الناس في الظاهر .. لذا لو تتبعنا الصدر و البطن و الظهر و الوجه و الرقبة و العُنق في القرآن الكريم .. ستجد لكلٍ منها معنى، مثلاً:

·      منطقة الرقبة معناها الحرية، {.. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ..} المجادلة : 3 يعني الحرية مكانها الرقبة، فلو إنسان حسّ بالقيد فالعضو الذي يتأثر من جسمه الرقبة و فيها الغدد، منها الغدة الدرقية و الجار درقية، و النتيجة هي خلل إفرازات الهرمونات التي في منطقة الحرية.

·      منطقة الرأس و هي منطقة العزّة، فلو إنسان واجه مشكلة في العزّة، إمّا إفراط و كِبر، أو قِلة و ذُلّ، تكون النتيجة أن يقوم مركز الغدد في الجسم بالتأثير في إفرازات الهرمونات فيظهر الأثر في الرأس صداع و غيره.

·      منطقة الصدر و هي مجال السورة {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} .. فالصدر هي منطقة اتصال كل المتناقضات معاً في آنٍ واحد .. فهي اتصال الداخل بالخارج، و المقدمة بالخلف .. الرأس من جهة و البطن و الجزء السفلي من الجهة الأخرى مربوطين بالصدر، و اليد اليمنى من جهة و الشمال من جهة أخرى مربوطتين بالصدر .. فمنطقة الصدر هي اتصال العالم المادي بالعالم المعنوي، فهي المنطقة الرابطة بين كل المتناقضات .. {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} الحج : 46 .. إذاً نستطيع أن نقول إن الصدر هو:

1.     منابع النفس.

2.     مكان التنفس الذي يغذّي النفس.

3.     رابط المتناقضات.

و الصدر فيه القلب .. و القلب هو مكان الإيمان و الكفر، الحب و الكره، الوعي و الجهل، المادي و المعنوي، الخفي و الظاهر .. فإذا نظرت إلى العسر بالقلب يجب أن تشاهد معه يسْرَه .. و شرح الصدر عكسه الضيق {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} الشعراء : 13 .. فإذا ضاق الصدر لا ينطلق اللسان فلا يعرف الإنسان أن يتكلم، أو يفكر، فيختنق، و يتوتر، فتزيد مشكلته، و لقد دعا سيدنا موسى {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} طه : 25 .. فبدأ باشرح لي صدري أولاً، و بعدها يسّر لي أمري، و شرْح الصدر يكون بالإسلام {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } الزمر : 22 .. و يمكن تعريف الإسلام من قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} آل عمران : 19 .. إذاً شرح الصدر يكون بالإسلام .. فإذا واجهت مشكلة فأوّل الأمر أن تُسلّم لله {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} البقرة : 112 و منها ينشرح الصدر .. و الإسلام هو فعل .. و تذكر أنّ (شرح) في كل الآيات لا تأتي إلا مع الصدر.

من التكرار و الترتيب في الآية ذِكر العُسر أولاً ثم اليُسر، لذا على الإنسان أن يتقبل العُسر و منه يتم شرح الصدر باليُسر .. فينفذ من العسر و يجد اليسر، إذًا أول خطوة هي الإسلام .. و هي أن تسلّم لأي قدر و لا ترفضه أو تخاف منه، فعليك أن تحيّد الاعتراض و الرفض بالصبر الجميل .. فالإسلام أن تتقبل الأمر .. فلمّا تتقبله ينشط شُغل الصدر في جمْع المتناقضات .. و من يتم شرح صدره للإسلام يُعطى قيمة الاتساع أو الواسع، و يتعامل مع اسم الله الواسع .. و من فضل الله I بصفته الواسع أنه ترك حتى إبليس يعمل .. و بذلك يُحِق الله الحَقّ بكلماته و باسمه الواسع، فقد يكون في أيّ عمل تراه باطل لك يكون فيه منفعة لك .. فمن سعى و اتسع لكل الناس حوله فهو وسّع لنفسه و يبدأ يكبر، و بالتالي يعطيه ربنا على قدر هذا الوسع .. فلو أنفق من ماله مثلاً، سيصبح رزق من ينفق عليهم له، فيأخذ من رزقهم .. فمن يمارس الوسع مع الناس يتعامل معه الله صفته الواسع.

{وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} الظهر هو عكس الوجه .. فالوجه هو منطقة إدراك و توّجه بينما الظهر منطقة إحاطة و شمول .. فمخازن المؤونة في الحروب و الجيوش و المقطورات تبقى في المؤخرة .. ففي المعركة يقول الجندي لصاحبه أمّن لي ظهري .. و في طلب العون و المساعدة يكون الظهير {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} الإسراء : 88 .. لهذا يمكن تقسيم ما يخرج من الصدر إلى نوعين :

        ما يذهب للظهر من الأمور التي فيها فِكر و إرادة عقلية و منطق فهي ترجع على الظهر، فهو منطقة الأفكار و المسئولية و العقيدة، فلو حدث فيها تعقيد سيبدأ الحِمل الفكري يؤثر على العمود الفقري و على الظهر خاصة .. فقوله تعالى {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} الوزر هو ما تحمله من الفِكر و الطاقة .. لهذا تجد أن التنَفُسْ العميق يغذّي النفس الحقل و يساعد على تخفيف الحِمل عنها فيطيل العمر.

        ما يذهب للبطن من المشاعر و الأحاسيس التي تخرج من الصدر و تخزّن في البطن، فالإنسان حينما يكون خائف و متوتر و قلق، فأسرع منطقة تتأثر منه هي البطن و فقدان شهية الأكل .. {مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} البقرة : 174 .. فالنار عبارة عن طاقة حرارية تؤثر في نظام الجسد .. و كذلك المشاعر عبارة عن نار .. فالغضب و العنف طاقة قوية، فالمشاعر تصْدر من الظهر و تدخل إلى البطن .. فيفرز هرمون الأدرينالين من الغدة فوق الكظرية في البطن .. لهذا من يغضب كتيراً ينعكس هذا على كبده في البطن .. و كذلك الأمعاء الدقيقة و الغليظة، المستقيم، القولون، البنكرياس، الغدة الكظرية، الكليتين.

{الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} بالتالي كل الهموم و الأفكار و المسؤوليات الثقيلة تؤثر عليك في منطقة الظهر و التي يجل أن تنقضها .. من نقض العهد أيْ أفسده .. نقض جاءت تسع مرات في القرآن بكل مشتقاتها نقض (العهد) (الميثاق) (الإيمان) أمور معنوية .. (نقضت غزلها) (وجدا جدارًا يريد إن ينقض) أمور مادية .. {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} النحل : 92 يعني فكّت مصادر القوة في الغزل .. {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} الكهف : من آية 77 .. جدارًا المفروض يبقى قائم بذاته و لكنه بدأ يريد أن ينقض .. فلا يقوم بوظيفته، فأقامه.

الإنسان عندما يكبر في السن و قد انحنى العمود الفقري عنده فهذه من هموم السنين التي عمِلت حِمل طاقي في شكل وزر .. فلم يتخلص منه فضلّ يتراكم على مدى السنين .. حتى أنقض ظهره فصار وجهه إلى الأسفل و هو في الأصل كان أفقي و إلى الأعلى .. و هذا النقض سيضيّق الصدر، و يظهر الأثر في أن تصغُر مساحة عمل الرئة .. و كلمة (وضعنا) فيها الرحمة و اليسر و الحنان :

        {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} الأحقاف : 15 .. الأم و الجنين مترافقين .. و عند الوضع انفصلوا، إذاً وضع هنا تعني انتقل من حالة المرافقة و الملازمة إلى حالة الانفصال و الاستقلالية.

        {.. وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ..} النور : 58 وضع الثياب يتخلله يسر و سهولة.

        {..وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ..} النساء : 102 وضع السلاح لا يعني تركه بعيداً، بل مرافق لك .. و لكن منفصل عنك.

إذًا حمِل عكسها وضع .. و وضع معناها الفصل من حالة الملازمة و المرافقة إلى حالة الانفصال و الاستقلالية.

إن الوزر يبقى مرافق لحامله في كل مكان .. و وضعنا عنك وزرك، أيْ فصلنا وزرك عنك لتتحرك بظهر نقي من الأفكار .. حيث إن نقض الأفكار هو وضعها و الانفصال عنها .. كما هو وضع الثياب .. فكل القناعات التي أخدتها من المجتمع و أصبحت وزر على ظهرك يمكنك وضعها .. فالتأمل و التدبر هو من يجعل الإنسان يضع الوزر و ذلك برفع مستوى الوعي.

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ .. فتصل لليُسر مباشرة و هي أقرب وسيلة لليُسر بعد انشراح الصدر، وضع الوزر .. ذكرك هو مستقبلك و كل ما خفي عنك و يخصّك .. مثل مجريات الأمور و معلوماتك .. و الرفع هو نوع من التمييز {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة : 127 يعني أن إبراهيم u ميّز حجارةً لتكون بناء للكعبة المشرفة .. فبقيت مميزة و ظاهرة، إذًا (رفع) معناها ميّز شيئًا من مجموعة أشياء رغم اتصالها بهم.

ذِكْرَكَ هو كل ما يخص حياتك و الذي ترغب في أنْ تعرفه .. و من حق كل إنسان معرفة ذِكره و مستقبله و ما خفي عنه، و هناك محاولات كثيرة لمعرفة المستقبل .. و كي نصل لليسر هناك خطوة أخيرة اسمها (رفع الذِكر) .. و رفعنا لك ذِكرك أيّ ميزناه و أظهرناه، و وضحناه لك أنت شخصيًا، فالإشارات مثل الرؤيا أو التدّبر في كلمات القرآن الكريم، و كذلك التفاؤل بالخير أو الأشخاص أو الإلهام و حسن الظن بالله .. و هناك 4 طرق لاستشراف المستقبل و هي :

1.    الرؤى: مثل رؤيا سيدنا يوسف و هو طفل و رؤيا الملِك و صاحبّي السجن و رؤيا محمد ﷺ في مناماته .. إذًا رفع الذكر لمعرفة المستقبل جزء منه رؤى صادقة.

2.    اللقاءات: لقاء يوسف u مع الفتيان في السجن.. {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ..} ثم تفسير رؤياه السجين ليس صدفة .. لكن جمعهما الله في زمنٍ ما كي يكلّم الحاكم عن يوسف.

3.    المشاهِد: قد تظهر للإنسان مشاهد مختلفة .. بعضها تمثل رسالة، فلو حصل أمامك حادث مروري فقد تكون رسالة كي تتفادى أنت حادث آخر بنفس الطريقة .. أو قد تكون زيارة مريض في مستشفى .. فتكون هذه رسالة .. و هذه المشاهد جزء من رفع الذِكر.

4.    القرآن الكريم : {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} الأنبياء : 10 .. حيث إن التاريخ يعيد نفسه، و قد تتكرر الأحداث في عصور مختلفة .. هذا يقودنا إلى أنّ لكل فرد تفاصيل لحياته موجودة في القرآن بشكلٍ ما .. و هو ذكره في القرآن، و هذا ذكرنا في القرآن الكريم .. إذًا قصة حياة كل إنسان مرسومة في القرآن .. فالقرآن جمع لنا كل تفاصيل حياة الإنسانية .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} المؤمنون : 71 .. و هذا يؤكد أن كل تفاصيل حياتنا لها إسقاط في القرآن الكريم.

إن محور السورة (إن مع العسر يسرا) .. يأتي بعد تحقيق المراحل الثلاثة السابقة .. و فيه :

1.     لا يسر مع العسر إلا نتيجةً لما سبق.

2.     العُسر مُعرّف بالألف و اللام، و اليسر نكرة .. لأن اليسر هو الأصل.

3.     تكرار الآية يصبح مع كل عُسر يسرين.

4.     إن اليسر يأتي بعد و ليس مع العسر {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} الطلاق : 7 .. و هنا تصبح ثلاثة يسر ضد عسرٍ واحد .. و تكافي الثلاث متطلبات في بداية السورة الشرح و الوضع و النقض.

5.     كون تكرار اليسر و هو نكرة و النكرة في القرآن معناها الوفرة في اليسر و هذا من كرم الله.

علماً بان اليسر و العسر حاجات دقيقة و صغيرة مفصّلة، بينما الخير و الشر حاجات كونية كبيرة .. لهذا لا يمكن أن نقول إن مع الخير شراً .. لأن الخير و الشر أمور عظمى للكون، و هذه السورة تخاطب الفرد.

إذا فرغت فأنصب .. (انصب) وردت مرة واحدة في القرآن الكريم .. وهذا دليل على أهميتها مثل كلمة (الصمد) .. و كلمة الله (لفظ الجلالة) أكتر كلمة وردت في القرآن على الإطلاق 2800 مرة .. و جمعهما I في قوله (الله الصمد) .. أكثر اسم تكرر مع أقلّ صفة تكررت .. فانصب و فارغب هذه أفعال طاقية نفسية و ليست أفعال مادية .. فتأتي بمنطق السرعة فتتناغم مع طاقة السورة .. نصَب تتكون من ثلاث حروف (ن ص ب) مركزها حرف الصاد، قبله نون و بعده باء، حرف النون لإصدار الطاقة كقولك نفح نفث نفس نوّر نبت .. فأيّ كلمة تبدأ بحرف النون معناها إصدار للطاقة .. و أيّ كلمة فيها صاد تدل على المركزية .. و حيث إن السين تتميز بالمركزية و مثلها الصاد .. إلاّ إن مركزية الصاد تمثل مركز المركزية كقولك إصابة و أصل .. فحرف الصاد في القرآن الكريم يعني الأصل و المركزية .. أمّا الباء فمعناها الانتقال من حالة لعكسها .. مثل باب و الذي ينقلك من جهة إلى أخرى .. المعنى إذاً لكلمة (نصب) أنها طاقة مركّزة خارجة من المصدر .. و النون و الباء متصلين بحرف الصاد يعني من لب المركز .. يعني أنّ مركزيتي تنتج طاقة و تنقلب لنقيض الطاقة و المركزية.

جذر الكلمة (انصب) ورد في القرآن 32 مرة .. هذه أربع كلمات من نفس الحروف .. تبين أنّ تشكيل الحرف يغيّر اتجاه الكلمة:

1.     {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} ص : 41 .. نُصْب تعني فقدان لطاقة النفس و استنزافها للخارج، و لكي تبقى للإنسان طاقة في نفسه يشتغل بها جسمه .. فإن هدف الشيطان أن يعمل نُصب ليعذب بها الإنسان .. فهي محاولة منه ليمتص طاقة النفس فتُنهك .. و لو أُنهكت و تعبت فلن تفكر أو تبدع أو تذكُر أو تصلي .. و ذلك بسلب طاقة الإنسان.

2.     {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} الكهف : 62.. نَصَب بفتح الباء .. يدل قول موسى u لخادمه أن من كثر حركة الجسد المصاحب للنفس .. تُحسّ النفس بالتعب .. ليس تعب بدني، بل نفسي .. فلنأكل و نأخذ من طاقة الأكل و نمدّ بها النفس .. بالطاقة التي تحتاجها من الجسم .. إذاً نَصب معناها استهلك الطاقة التي في النفس.

3.     {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ …} المائدة : 3 .. النُّصُبِ بضم الباء و الصاد هو مكان تواجد الذبائح و ما عليها من الأكل .. و هي طاقة تتوزع و تندمج مع طاقة كل الناس الذين يأكلونها .. إذاً على الخروف نُصُب و كأنهم إليه يوفضون.

4.     {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} المعارج : 43 ..و لأن النُصُب عليها طاقة و كلّ واحد يأخذ من هذه الطاقة نصيب يستمده له.

5.       {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة : 90 .. و لأن الشيطان من حولك .. من يمين و شمال و أمام و الخلف .. يحاول يمتص طاقة نفسك.

6.       {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} الغاشية : 19.. لأن مساحة قاعدة الجبل واسعة فهو يعطي طاقة كبيرة، فيفقد طاقته .. فالجبل مخلوق بطريقة تجعله مهما أعطى من طاقة .. فهناك منطقة أعلاه يستمد منها طاقة .. فمن القمة يستمد الجبل طاقته من السماء و يوزعها لمن حوله بقاعدة واسعة .. فمهما فقد من طاقة القمة تعوضه السماء.

النتيجة إذا فرغت من الطاقة بما تبذله في حل للمشاكل، قم و قف و ابدأ بتنشيط المنطقة العليا عندك .. حتى إذا انحلت مشكلتك لا تقعد في الحل .. و ارجع و ارغب إلى الله و أنت متصل بالنعمة التي وصلت إليك .. و كلمة (ارغب إلى) عكسها (ارغب عن):

o     {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} التوبة:59

o     {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} القلم : 32

o          {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} مريم : 46

o     {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} البقرة:130

و من الملاحظ إن الرغبة إلى شيء تتضمن الرغبة عن ضد هذا الشيء .. مثلًا الرغبة في السفر إلى بلد تتضمن الرغبة في السفر عن البلد الذي أنت فيه .. و إذا رغبت إلى الأكل فأنت رغبت عن الجوع أو الصيام .. و من هذا المثال تتضح عملية الرغبة إلى القيم .. فالإنسان يربط القيم بطرف واحد يحقق له تلك القيم فيرغب إليه .. و في نفس الوقت هو يرغب عن ضدها في الطرف الآخر .. {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} البقرة : 130 .. مِلة ابراهيم مُشبّعة بالقيم فلما ترغب إليها أنت تطلب الزيادة من القيم .. لهذا فالله I مالك الملك عنده خزائن كل شيء فحين ترغب إليه ستجد عنده المزيد من الشرح و المتعة و السعادة و الطاقة.

* * *