{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} القدر : 1 – 5

(إنا أنزلناه في ليلة القدر) .. الفرق بين القَدْر والقَدَر ، القدْر دال ساكنة، القدَر الدال مفتوحة .. تعرّف هذه الليلة من فعل (قدَر) {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج : 74 .. وردت (القدْر) ثلاث مرات معرّفة بأل التعريف:

1.     {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} القدر : 1

2.     {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} القدر : 2

3.     {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} القدر : 3

كما ورد الفعل (قدَر) ثلاث مرات :

1.     {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} الأنعام : 91

2.     {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج : 74

3.     {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الزمر : 67

(و ما أدراك ما ليلة القدر).. لهذا وجب علينا في ليلة القدْر أن نقدُر الله عز و جل حق قدره .. و قد ورد ذكر هذه الليلة في سورة الدخان {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)} الدخان : 1 – 6 .. فقد أقسم الحق بالكتاب المبين المنزّل في هذه الليلة المباركة .. و هو كتاب تدبير أمر الخلق و الذي تتابِع تنفيذ ما فيه الملائكة الكرام {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} الذاريات : 4، {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} النازعات : 5 .. {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} الدخان : 5.

(ليلة القدر خير من ألف شهر) .. الشهر هو الإعلان .. فهذه الليلة في السنة لها فضل يفوق ألف إعلان في العام .. و الألف هنا عن الكثرة و ليس عن عدد {.. وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ..} البقرة:96 .. و هو معنى لنهاية العدّ .. ففي هذه الليلة يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.

(تتنزل الملائكة و الروح فيها بإذن ربهم من كل أمر) .. نفهم أنّ الملائكة تتنزل بكل صغيرة و كبيرة في مجريات أمور الخلق .. و الروح هنا هو من عالم الأمر.. و الذي منه القرآن الكريم و أرواحنا التي نعي بها .. و ما ينزل في هذه الليلة {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .. إنه الكتاب المبين .. و الذي ورد ذكره (5) مرات في القرآن العظيم:

1.     {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الأنعام : 59

2.     {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} يونس : 61

3.     {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} هود : 6

4.     {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} النمل : 75

5.     {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ : 3

(سلام هي حتى مطلع الفجر) .. وصف هذه الليلة بالإضافة إلى السلام أنها ليلة مباركة كما ورد في سورة الدخان .. و المباركات في القرآن الكريم خمس .. و هي هذه الليلة و الماء و المنزِل و الشجرة و المكان و الإنسان :

1.     {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} الدخان : 3

2.     {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} ق : 9

3.     {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} المؤمنون : 29

4.     {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} النور : 35

5.     {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} آل عمران : 96

6.     {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} مريم : 31

(حتى مطلع الفجر) .. الفجر أو الفجور أو الانفجار معناه خروج الشيء من نقيضه، فمثلًا خروج الماء من الحجارة الصلبة اسمه انفجار، و كذلك خروج الضوء و النور من الليل و العتمة يسمى الفجر .. و الفجر هنا هو بدء تنفيذ المعلومات الجديدة الإيجابية لعالم الخلق .. و الحياة الطيبة و تجليها في عالم الخلق من عالم الأمر و خروجها من النقيض اسمه الفجر.

و من هذه السورة يتضح أن ما يظهر لنا في عالم الخلق هو الكتاب المبين .. أيْ الذي تبين فيه أوامر الخالق عز و جل .. و تجري فيه الأحداث أمامنا و نشاهدها .. ثم تسجّل ردود أفعالنا في أم الكتاب {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} الرعد : 39.

* * *