{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ…} العلق: ١ – ٥

لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ تَسَلْسُلٌ فِيْ الْنُّزُوْلِ وَ تَسَلْسُلٌ فِيْ الْسَّوْرِ، بِالْنَّظَرِ إِلَىَ تَسَلْسُلِ نُزُوْلِهِ نَجِدُ أَنَّ أَوّلَ كَلِمَةٍ نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآَنِ هِيَ اقْرَأْ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} العلق: 1، وَ هَذَا دَلِيْلٌ عَلَىَ أَنَّ الإِسْلامَ هُوَ دِيْنُ الْعِلْمِ، أَمَّا آَخِرُ كَلِمَةٍ نَزَلَتْ مِنْهُ فَهِيَ لا يُظْلَمُونَ {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} البقرة: 281 ، وَ فِيْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ إِشْارَةٌ إِلَىَ الْعَدْلِ، وَ نَعْلَمُ أَنَّ أَيِّ حَضَارَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ لا تَسْتَمِرُ إِلاَّ إِذَا تَحَقَّقَ الْعِلْمُ وَ الْعَدْلُ فِيْهَا، وَ هَذَا مَا جَاءَ بِهِ كِتَابُ الله I .. وَ كَانَ فِيْ تَرْتِيْبِ نُزُوْلِ سُوَرِ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ تَرْبِيَةً رَبَّانِيَةً مِنْ الْرَّبِّ I لِنَبِيِّهِ مُحَمّدٍ ﷺ كَمَا يَلِيَ:

1.           نَزَلتْ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ…} العلق: ١ – ٥، وَ هِيَ دَعْوَةٌ لِلْرَّسُولِ ﷺ وَ أُمَّتِهِ لِلْتَّعَلُّمِ، فَذَكَرَ اقْرَأْ مَرَّتَانِ وَ عَلـّـمَ مَرَّتَانِ وَ أَدَاةَ الْتَّعَلُّمِ الْقَلَمِ و هِي مَهَارَةُ التَّصْنِيفِ – كَقَوْلِنَا الأقَالِيمِ السَّبْعَةِ – مَرَّةً وَاحِدَةً.

2.           ثُمَّ نَزَلَتْ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} المزمل : ١ – ٥، وَ هِيَ دَعْوَةٌ لِلْرَّسُولِ ﷺ وَ أُمَّتِهِ بِأَنْ يَبْدَأَ الإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ أَوَّلاً.

3.           ثُمَّ نَزَلَتْ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } المدثر : ١ – ٧، وَ هِيَ دَعْوَةٌ لِلْرَّسُولِ ﷺ وَ أُمَّتِهِ بِأَنْ يُبَاشِرَ الإِنْسَانُ الْدَّعْوَةَ حَالَمَا يَنْتَهِيَ مِنْ إِصْلاحِ نَفْسِهِ قُمْ فَأَنْذِرْ، و الْاِهْتِمَامُ بِطَهَارَةِ الظّاهِرِ مِنَ الثِّيابِ و الْجَسَدِ و طَهَارَةُ الْباطِنِ.

4.           ثُمَّ نَزَلَتْ {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ …} القلم : 1 – ٥، وَ هِيَ دَعْوَةٌ لِلْرَّسُولِ ﷺ وَ أُمَّتِهِ بِالْتَّحَلِّي بِالْخُلِقِ الْكَرِيْمِ فِيْ الْدَعْوَةِ خُلُقٍ عَظِيْمٍ، بِالإِضَافَةِ إِلَىَ الْعِلِمِ الَّذِيْ يَتَكَوَّنَ مِنْ حُرُوْفٍ دَلَّ عَلَيْهَا حَرْفُ ن وَ لَهُ أَدَاةٌ هِيَ الْقَلَمُ وَ بِهِ الْكِتَابَةُ وَ مَا يَسْطُرُوْنَ.

5.           ثُمَّ نَزَلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ …}الفاتحة : ١ – ٣، وَ فِيْهَا إِعْلانُ .. الْحَمْدُ لِلَّهِ .. وَ الاسْتِعَانَةُ بِهِ وَ مَا إِلَىَ ذَلِكَ مِنْ مَضَامِيْنٍ عَظِيْمَةٍ حَوَتْهَا هَذِهِ الْسَّوْرَةِ.

6.           ثُمَّ نَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ …}المسد : ١ – ٣، وَ فِيْهَا إِعْلانٌ بِأَنَّ لا أَحَدَ يَقِفُ أَمَامَ دَعْوَةِ الْحَقِّ كَائِنَاً مَنْ كَانْ، و أشدّ الخسران لصناعي الأسلحة و المتفجرات المنتجة للهب .

7.           ثُمَّ نَزَلَتْ {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}التكوير : ١- ١٤، وَ فِيْهَا دَعْوَةٌ لِلإِنْسَانِ لِيَنْظُرَ إِلَىَ نِهَايَةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْدُنْيَا وَ أَنْ يَجْعَلَ الْنِّهَايَةَ نُصْبَ عَيْنِيْهِ وَ هُوَ فِيْ طَرِيْقِهِ إِلَىَ الْحَيَاةِ الآَخِرَةِ، وَ يَتَّضِحُ هَذَا مِنْ خِلالِ اثنتي عَشْرَةَ مَرَّةٍ (إِذَا).

8.           ثُمَّ نَزَلَتْ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى …} الأعلى : ١ – ٥ ، وَ فِيْهَا تَأْكِيدٌ أَنَّهُ وَ مَعْ وَضْعُ الْنِّهَايَةَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ إِلاَّ أَنَّه يَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هُنَاكَ سَيَكُوْنُ الْلِّقَاءِ مَعَ الأَعْلَىَ الَّذِيْ قَدَّرَ فَهَدَىَ I.

9.           وَ فِيْ طَرِيْقِكَ إِلَىَ الله تَجِدُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ هُوَ عَامِلُ الْزَّمَنِ .. فَنَزَلَتْ سُوْرَةُ الْلَّيْلِ، ثُمَّ الْفَجْرِ، ثُمَّ الْضُحَىْ.

10.        ثُمَّ نَزَلَتْ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} الشرح : ١ – ٨، وَ هِيَ دَعْوَةٌ لِلْرِّضَا بِمَا قَدَّرَ الله وَ الاجْتِهَادُ فِيْ عِبَادَتِهِ وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَلَتْهَا سُوْرَةُ الْعَصْرِ.

وَ بِهَذَا الْتَسَلْسُلِ فِيْ أَوَّلِ ثَلاثَ عَشَرَةَ سُوْرَةٍ تَتَّضِحُ مَعَالِمُ الأُسْلُوبِ الَّذِيْ رَبَّىَ بِهِ الْحَقُّ جلّ جلاله نَبِيَّهُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ نُزُوْلِ الْقُرْآَنِ الْكَرِيْمِ مُنَجَّمَاً حَسَبَ الأَحْدَاثِ، وَ اسْتَخْدَمَ الْحَقُّ جلّ جلاله الْلِّسَانَ الْعَرَبِّيَ {…وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ}الأحقاف : ١٢ ، فَالَّلسَانُ أَلْفَاظٌ يُصْطَلَحُ عَلَىَ مَعَانِيْهَا بِحَيْثُ إِذَا أُطْلِقَ الْلَّفْظُ فُهِمْ الْمَعْنَىْ، وَ الْلُّغَةُ الَّتِيْ نَتَكَلَّمُ بِهَا لا تَخْرُجُ عَنْ اسْمٍ وَ فِعْلٍ وَ حَرْفٍ.

اقْرَأْ .. ضمّ جبريل عليه السلام محمد ﷺ .. ثلاث مرات .. اقْرَأْ .. اقْرَأْ.. اقْرَأْ .. و هنا فُتحت المعارف لمحمد ﷺ و أصبح النبي الرسول الخاتم ﷺ أكثر الناس معرفة بالله .. بِاسْمِ رَبِّكَ .. و ظهرت الألف لأن هذا الأمر يتطلب حضور القلب .. رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .. الخلق هو الرسم و وضع المخطط قبل التنفيذ .. و ضمّ جبريل للرسول ما هو إلا لتنفيذ البرنامج المضمّن دخل جسد الرسول ﷺ الشريف .. ليبدأ رسالته.

خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ .. الْعَيْنُ وَ اللَّامُ وَ الْقَافُ أَصْلٌ كَبِيرٌ صَحِيحٌ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَ هُوَ أَنْ يُنَاطَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ الْعَالِي .. ثُمَّ يَتَّسِعُ الْكَلَامُ فِيهِ، تَقُولُ: عَلَّقْتُ الشَّيْءَ أُعَلِّقُهُ تَعْلِيقًا، وَ قَدْ عَلِقَ بِهِ، إِذَا لَزِمَهُ. وَ الْقِيَاسُ وَاحِدٌ .. و يقال ما بينها علاقة: أيْ شيء يتعلق به أحدهما على الآخر .. و العلاقات الإنسانية أملتها حاجة الإنسان لبني جنسه، و قد نشأت من طبيعة الإنسان ذاتها .. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ .. أي كثير العلاقة في صناعته و حرفته و معيشته و في أموره كلِّها لأنَّه مطبوع عليها. و مثلها {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} {خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ} {وكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} .. و عجولاً صفة ملازمة للضعف، و العجلة ضروريَّة لتحقيق معنى الابتلاء، فقد أمره الله تعالى بالصبر الذي هو مفتاحٌ لكلِّ خير في الدنيا .. كما أنه سُلَّم الفوز في الآخرة التي هي خير و أبقى، لكن طبع العجلة في الإنسان يجذبه نحو اختيار العاجلة و تناسي الآخرة {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} .. و هذا الطبع في الإنسان تقابله الحقائق التي لا تغيب عن العقل، و هي ضرورة الصبر لنيل ما هو أعظم و أدوم، و هو المشار إليه في قوله تعالى {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}فصلت:35.

نفهم من جملة الآيات أنَّ الإنسان مخلوق ضعيف وعجول ومتعلق بغيره، فضعفه العام يجعله يحتاج للآخرين لإصلاح شأنه و الوصول إلى غاياته، فمهما وصل الإنسان في علمه و قوته إلا أنّه يبقى محتاج لغيره، و هذا هو السبب في كون الإنسان مدنيّا بطبعه لا يستطيع العيش منعزلاً عن جماعة البشر .. {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} الزخرف : 32 .. فهذه الطبيعة جعلت الإنسان يحتاج إلى ما ينتجه الآخرون من الأموال و الخدمات التي لا يمكنه أن يعيش بدونها، لذلك كان من الضروري أن يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا .. لأنه ليس مثل الحيوانات الأخرى، إذ إنه لا يسدُّ حاجاته بما وجده في الأرض إلا بعد عمليِّات كثيرة لا يمكنه إجراؤها بدون علم.

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ .. تكرار للمرة الثانية للأمر .. اقْرَأْ .. و ربطه بصفة الخالق عز و جل الأكرم.

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ : الفلم هو تمييز الأشكال بصفاتها بعضها من بعض و التعرّف إليها، أيْ هو عملية “التقليم” (Identification) {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، فالعين تقلّم الأشكال و الألوان، و الأذن تقلّم الأصوات، و اللسان يقلّم الطعوم .. فالقلم هو وسيلة اكتساب المخلوقات كلها للمعارف سواء العاقل منها أو غير العاقل بما فيها الملائكة .. والمعرفة الإنسانية خط صاعد إلى الأعلى و محوره القلم (التمييز) .. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

* * *

{كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)} العلق : 15 – 19

كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ .. نلاحظ أن الله ﷺ وصف منطقة الناصية بأنها كاذبة وخاطئة .. و ما كشفت عنه الأبحاث العلمية الجديدة أن هناك فريق من العلماء في سنة 2006م فكروا بإيجاد وسيلة لمعرفة المنطقة المسؤولة عن الكذب في الإنسان، و كان هدفهم من وراء هذه التجربة تصميم جهاز يكشف الكذب عند الإنسان، فاللصوص و المجرمون البارعون في الكذب كانوا يتحايلون على كلّ الأجهزة التي اخترعها العلماء سابقاً، و التي كانت تقيس نبرة الصوت، دقات القلب، كمية العرق التي يفرزها الإنسان، و تراقب أشياء أخرى تتعلق بفيزيولوجية الإنسان، و عندما يبدأ الإنسان بالكذب فإن شيئاً ما سيضطرب عنده .. إمّا أن يحدث تسريع في دقات القلب، زيادة في الإفرازات، تنفس سريع .. و لكن الكاذبين المحترفين كانوا يتحايلون على كل هذه الأجهزة فتجدهم يجلسون بكل هدوء و لا يظهر عليهم أيّ أثر أثناء التحقيق معهم، و بالتالي أثبتت كل هذه الأجهزة فشلها.

لذا لجأ العلماء في هذه التجربة الجديدة على الدماغ و قالوا لا بد أن تكون هناك منطقة مسؤولة عن الكذب .. فأحضروا جهاز المسح الوظيفي الذي يعمل بالرنين المغناطيسي fMRI .. و هو جهاز مخصص لقياس نشاط أي منطقة من مناطق الدماغ بطريقة الموجات المغنطيسية .. حيث يوضع المريض و يحاط دماغه بقرص معين و توضّع خلف هذا القرص الأجهزة المربوطة مع أجهزة الكمبيوتر، و الدماغ ينقسم إلى مناطق، و منطقة لها عمل و لها وظيفة محددة، و تحت (الرنين المغناطيسي) طلبوا من إنسان أن يكذب، فالذي حدث أنهم لاحظوا وجود نشاط كبير في المنطقة الأمامية العليا من الدماغ .. أيْ في منطقة الناصية و هي أعلى مقدمة الرأس .. فلاحظوا أنّ هذه المنطقة يجري فيها الدم بسرعة لأن عمليات كثيرة تتم فيها أثناء الكذب .. إذا المنطقة الأمامية العليا من الدماغ هي المسؤولة عن الكذب، و عندما يتكلم الإنسان بصدق، فإنه تكاد لا تكون أيّ منطقة ذات نشاط في دماغه أيْ أنّه لا يصرف أيّ طاقة تذكر .. و هذا دليل على أن الدماغ قد فُطر على الصدق!! .. بينما الكذب يتطلب إسرافاً في الطاقة.

كما وجدوا أن الإنسان لا يمكن له أن يتحكم بدماغه، فالإنسان بمجرد أن يكذب فإن نشاطاً سوف يحدث في دماغه في منطقة الناصية و لا يمكن أن يوقف هذا النشاط، و هذه الطاقة التي تُصرف أثناء الكذب لا يمكنه أن يلغيها أو يتحكَّم بها .. و لذلك قالوا إن أفضل طريقة لكشف الكذب عند الإنسان أن نراقب منطقة الناصية عنده، و أنّ هذه المنطقة تتوسع فيها مراكز الكذب.

نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ .. من هنا فإن العلماء خرجوا بنتيجة يقينية و هي أن مركز الخطأ و مركز الكذب هما في منطقة الناصية، أيْ في المنطقة الأمامية العليا من الدماغ .. و كذلك مركز الإبداع و القيادة .. فالذين يفكرون تفكيراً إبداعياً بعد أخذ القياسات من الجهاز fMRI الرنين المغناطيسي وجدوا أنها في منطقة الناصية.

{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} هود : 56 .. أيْ أن الله تبارك وتعالى يأخذ بناصية كل المخلوقات، و يوجه هذه المخلوقات كيف يشاء، و لذلك قال إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .. أيْ أنّ الله I بالتعاليم التي أعطانا إياها إذا طبقنا هذه التعاليم فسنكون على صراط مستقيم، لن تخطئ قراراتنا أبداً.

و لأن هذه المنطقة (الناصية) .. أشبه بخزان كبير للأخطاء، للكذب، للقرارات الخاطئة، للأشياء الكثيرة التي يقوم بها الإنسان، فلا بد من تطهير و صيانة هذه المنطقة دائماً و ذلك بالسجود و ملامسة ا للأرض بالسبعة أعضاء، ليحصل تفريغ للشحنات السلبية.

* * *