هذه السورة تتكون من 8 آيات في 36 كلمة من 156 حرف ..و ترتيبها 99

{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} الزلزلة : 1 – 8

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا .. تبدأ السورة بربط ظاهرتين من الكوارث الطبيعية .. الزلازل و البـراكين… نظراً لما تُحدثانه من هلاك و دمار و ما تبُثانه من هلع و ذُعر.. و من المثيـر للتأمل و التدبير أنّ أوّل آيتين في السورة قد أوردتا إشارتين علميتين في غاية الأهمية لم يتوصل العلم إليهما بشكل قطعي إلّا في منتصف هذا القرن، و بعد تجميع كم هائل من القياسات و البينات من كافة أنحاء العالم .. اُستخدمت في الحصول عليها أدق الأجهزة العلمية و أكثرها حساسية.

1)     ارتباط الزلازل بالبراكين: بالنسبة للإشارة الأولى فكلنا سمعِ في السنوات الحديثة عن ما يسمى بشبكات الرصد الزلزالي المنتشرة في كل بقاع العالم، و أنّه قد تمّ بفضل تعاون هذه المراصد تحديد بؤرة الزلزال و شدّته بدقة كبيـرة، كما و أننا جميعاً نسمع بين حين وآخر عن حدوث انفجار أو نشاط بركاني في منطقة محددة من العالم، و ربما شاهد بعضنا ما تعرضه أجهزة التلفاز عن هذه الأنشطة البركانية و رأى الحِمم أو سُحب الرماد البركاني تخرج من فوهات البراكين أو من تشققات الأرض و ما تحدثه من دمار و هلع، و العلماء المتخصصين يعكفون على هذه الأحداث و البيانات لوضعها على خرائط أساس للكرة الأرضية (أيْ خالية من البيانات)، و وضع بؤر الزلازل التـي تزيد شدتها على 4 درجات و التـي حدثت خلال المئتين عام الماضية على خريطة تسمى خريطة مواقع الزلازل الحديثة .. و وضع أماكن الأنشطة البركانية الحديثة خلال نفس الفتـرة الزمنية على خريطة أساس مماثلة، و تسمى خريطة النشاط البركاني الحديث .. أظهرت خريطة المجموعة الأولى أن توزيع بؤر الزلازل على مستوى الكرة الأرضية ليس عشوائياً .. بل إنّه يتبع نمطاً معيناً، و أنّ هناك مناطق تخلو تماماً من تلك البؤر (مثل الصحراء الكبـرى)، بينما هناك أخرى تتركز فيها هذه البؤر (مثل اليابان و أندونيسيا و الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية) و التـي أُطلق عليها مجازاً أحزمة الزلازل، و أظهرت خريطة المجموعة الثانية أنّ توزيع الأنشطة البركانية ليس عشوائياً أيضاً يتبع نمطاً معيناً، و أنّ هناك مناطق تخلو تماماً من النشاط البركاني (مثل الصحراء الكبـرى) و أخرى تكثـر فيها هذه الأنشطة (مثل اليابان و أندونيسيا و الساحل الغربي لأمريكا اللاتينية) و أُطلق عليها حزام النار، تظهر المقارنة بين تلك الخرائط أنّ هناك تطابقاً كاملاً (أحزمة الزلازل) و (حزام النار) مما يؤكد وجود علاقة وثيقة لا يشوبها أيّ شك بين الزلزلة و الانفجارات البركانية.

2)     مكونات الأرض في جوفها أثقل من مكوناتها عند سطحها .. متوسط الثقل النوعي لمواد الأرض السطحية هو حوالي 2.5 و تزيد هذه القيمة تدريجياً لتصل إلى حوالي 3.5 في الوشاح على عمق يبدأ من حوالي 60 كم حتـى 2.900 كم، ثمّ يصل الثقل النوعي إلى حوالي 12 في لب الأرض الذي يمتد لمسافة 3.000 كم أخرى حـتى مركز الأرض .. و تمّ معرفة هذا بعد أنْ أمكن قياس سرعة انتقال الموجات الزلزالية في جوف الأرض و تحديد النطاقات التـي تتغيـر عندها هذه السرعات ثمّ تحديد تركيب هذه النطاقات من المضاهاة التجريبية لسرعة انتقال أنواع الموجات في المواد المختلفة، كما ساعدت دراسة النيازك الحديدية التـي تتساقط على الأرض و التـي يعتقد أنّها مماثلة لمكونات الأرض الداخلية أيضاً .. في الوصول إلى تصور عن التركيب الداخلي للأرض و الصور التـي يمكن أن تتواجد عليها المادة هناك .. كما أمكن الاستفادة أيضاً من قوانين الجاذبية في حساب متوسط كثافة الأرض (حوالي 5.5 جم/ سم3) و الذي أعطى مصداقية لكل هذه التقديرات.

وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا .. و هنا تبدأ وسائل التواصل و الشيكات الإخبارية على مستوى العالم بطرح التساؤلات عن أسباب انتشار الزلازل و البـراكين المصاحبة لها .. و سيخرج الجميع بالاتفاق على .. بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا.

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ .. و مع بداية الخراب لهذه الأرض يتحرك الناس من مواقعهم لطلب اللجوء إلى الأماكن الآمنة .. و مع هذه الحركة العشوائية و الكبيـرة .. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .. و الذرة هي المكون الأساسي للمادة .. و هي أصغر شيء يمكن القياس به كطاقة .. و نعلم أن أصغر ذرة هي ذرة الهيدروجين و تتكون من بروتون واحد يدور حوله إلكتـرون واحد ..و هنا يبيّن لنا الدِقة في قياس أعمال الإنسان لحسابه .. و سُرعة الحساب حيث لم يجعل حرف فاصل بين (يعمل) و (يره) .. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ.

و قد يكون خراب هذه الأرض من الزلازل و البـراكين نتيجة الحروب المُدمرة و الحرب النووية و ما إلى ذلك من صنع الإنسان {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم : 41 .. و لهذا يقدم لنا الحق I و صف للمعارك المدمّرة بين الناس في السورة التالية (العاديات).

* * *