هذه السورة مكونة من 8 آيات مبنية على 34 كلمة و فيها 156 حرف .. و هي تلخص علم الصحة و الطب و التشافي و التعافي في كتاب الله، محور السورة هو لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ .. و للسورة قطبين متكاملين هما : التِّينِ (عملية الأيض) و الزَّيْتُونِ (عملية الاحتـراق) .. و بعد القسم بثلاث أقسام .. تأتي الخاتمة بأجر غيـر ممنون .. و كيف أحكم الله عز و جل الخلايا في جسم الإنسان .. فلولا الضغط العالي (بمعدل 100 كجم على كل 10 سم2 = 1 بار) لانتشرت الخلايا تسبح بعيداً عنّا.

{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)} التين : 1 – 8

يحتوي جسم الإنسان في مرحلة النضج على ما يقارب من 30 إلى 37 تريليون خلية، و هي الوحدة الأساسية للحياة .. و الجسم يُعتبـر منشأة ضخمة تحتوي كل الخدمات .. كما يستضيف الجسم نفس العدد من الخلايا غيـر جسدنا، و منها الكائنات متعددة الخلايا التـي تقع في الجهاز الهضمي و على الجلد.

كتاب الله به الكثيـر من الآيات الطبيّة و الغذائية و الصحية، لكن سورة التين تعتبـر متخصصة بالصحة الشخصية، و التـي يمكن وصف الصحة بأنها رأس مال كل إنسان .. و هي تاج على رؤوس الأصحاء .. و قد يُبتلى الإنسان في صحته كما حدث مع أيوب عليه السلام .. و من فقدها يُضحيّ بمُلكه و ماله و علاقاته لأجل أن يسترد عافيته.

·      التِّينِ .. وردت مرّة واحدة في القرآن الكريم .. و القرآن الكريم مختلف عن كلام البشر .. و الكلمة القرآنية كلمة مطلقة .. و كلمة مكمّلة لها و هي كلمة (وَالزَّيْتُونِ) .. (تين) (التاء و الياء و النون) 3 حروف تكررت في الكلمتين .. و وردت في صفة من صفات الله I {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} الذاريات : 58 .. كما وردت في قوله تعالى {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} الحاقة : 46 ..

·      وَتِينَ .. كلمة و علم مفرد ورد مرّة واحدة في القرآن الكريم .. (التاء) تتابع خطوات .. (الياء) معناه خروج أشياء من أشياء .. (النون) إسكان تلك الأشياء في النهاية .. إذا (التِّينِ) معناها عملية التمثيل الغذائي في جسم الإنسان، و في علم الأحياء نسميه (الأيض) أو (الميتابوليزم) .. .. لهذا (الْوَتِينَ) و بسبب زيادة حرف (الواو) على (تين) .. يقودنا إلى أنّ معنـى الوتين هو مسارات عملية الأيض .. و الأيض هو مجموعة من التفاعلات الكيميائية في خلايا الكائن تحافظ على الحياة .. و الأهداف الرئيسية الثلاث للأيض هي تحويل الغذاء/الوقود إلى طاقة لتشغيل العمليات الخلوية، و تحويل الغذاء/الوقود إلى وحدات بناء للبروتينات، و الدهون، و الأحماض النووية، و بعض السكريات، و إزالة الفضلات الأيضية النيتروجينية، تلك التفاعلات التـي تحفزها إنزيمات تسمح للكائنات بالنمو و التكاثر، و المحافظة على تركيبها، و الاستجابة للبيئة .. كما يمكن أن يشير مصطلح (الأيض) كذلك إلى مجموع كل التفاعلات الكيميائية التـي تحدث في الكائنات الحية، بما فيها الهضم و نقل المواد إلى و بين الخلايا المختلفة، و في تلك الحالة تسمى التفاعلات داخل الخلايا أيض وسيط أو أيض متوسط .. كما يتم تقسيم الأيض عادة إلى فئتين: التقويض، أيْ تكسير المواد العضوية، على سبيل المثال، تكسير الجلوكوز إلى حمض البيروفيك، عن طريق التنفس الخلوي، و فئة الابتناء، أيْ بناء مكونات الخلايا مثل البروتينات و الأحماض النووية .. عادةً، يحرر التقويض طاقة فيما يستهلك الابتناء الطاقة.

·      الْمَتِينُ .. بإضافة (الميم) و هو اندماج أشياء في بعض حتى مسك و تمسّك .. إذاً (متين) معناه حصول أمور بخطوات و تتابع ثم استقرار، و كل هذه الخطوات مترابطة و متماسكة مع بعض، لهذا صفة (المتين) يتضمن خطوات كثيرة بتتابع حتى تسكن في الآخر.

·      الزَّيْتُونِ .. كلمة مكملة للتِّينِ .. إذاً التين تبدأ ثم لها عملية مكمّلة .. فإذا كان التين هو الأيض .. فالعملية التالية و هي تحول المواد و العناصر الغذائية إلى طاقة .. إذًا الزيتون هي عملية إشعاع الطاقة من كل الجسم على حسب إرادتك .. فالزيتون في قوله تعالى {… شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ..} النور : 35 .. فمن كُثـر الطاقة يكاد يضيء بإظهار الطاقة .. فزيت الزيتون فيه طاقة مثل باقي كل العناصر، لكن الزيتون من أكثرها.

وَطُورِ سِينِينَ .. كلمة (طُورِ) وردت في القرآن الكريم كالتالي:

1.     {..وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ..} البقرة : 63 .. و هو جبل {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } الأعراف:171 .. فالجبل أقوى مخلوق على وجه الأرض، و أكبـر مخلوق طاقة .. فهو ميـزان حفظ الطاقة على الأرض، فحين يذكر القرآن الجبال .. يذكرها بآيات قويّة .. {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} .. {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} .. و في الآخرة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} .. و في تجلّي الخالق عز و جل {… قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا …}.

2.     {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} المؤمنون : 20 .. أيْ إذا أردت أن تعرف طور سيناء فارجع إلى الشجرة التي تخرج بالدهن و صبغ الآكلين.

3.     {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} طه:80

4.     {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2)} الطور : 1 – 2 .. هو مكان واعد الله فيه بـني إسرائيل .. و سلّم فيه التوراة لموسى u.

5.     {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} نوح : 14 .. اكتشف علماء الأحياء عُمْر الأشجار بعدد الحلقات المتكونة داخل ساق النبات .. فكل حلقة في اللحاء المتـراكم يمثل سنة واحدة نُسمّيه (طور) .. و كذلك الإنسان ينمو في (أطوار) .. لكن يختلف عن الشجرة بأن الطور الجديد يحرق الطور الذي يسبقه و يتخلص من الخلايا الميتة .. و مثال على هذا الطحال الذي يقوم بتكسير كريات الدم الحمراء و الاستفادة من الحديد فيها.

سِينِينَ .. كلمة سنين هي جمع سنة و لكن (سينين) فيها (ين ين) تعنـي الإعادة و التكرار .. و ذلك من زيادة الياء و التـي معناها استمرار .. فجسد الإنسان ينمو .. و حينها فإن خلايا الجلد و اللحم حتـى العظم تتجدد، بعد أن تموت، و هذه الدورة تتكرر مادام الإنسان حيّ .. فالاستمرار في الحياة مرهون بإعادة النمو .. حتـى يصل الجسد إلى الموت المبـرمج داخل الكروموسومات .. فالجينات فيها برنامج يجعلها تتلاشى .. لهذا الموت و المرض كلمتين بادئتين بحرف الميم، فهما شيئين رئيسيين موجودين في كل خلية.

نستنتج مما سبق أنّ للجبل طاقة قويّة إلى أن تقوم الساعة .. و قد استغل قوم عاد و ثمود و الفراعنة من بعدهم تمركز هذه الطاقة فحوّلوا الجبال إلى شكل أهرامات و صنعوا غرفة في قلب الهرم لعلهم يخلدون .. و للإنسان الحق ب في استخدام هذه الطاقة في كل جبل .. فزيارة جبال الهملايا أو الألب أو عسير، هي نوع من مدّ الجسم بالطاقة .. في جميع أطواره .. فإن للإنسان في حياته كذا طور، طور الطفولة، و طور الشباب، و طور الكهولة و أخيـراً طور الشيخوخة .. فالطور هو التدرّج .. بأن تكون متلائم مع الظروف الجديدة في كل مرّة مع تغيّـر مواصفات الجسد و القدرات في كل مرحلة.

وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ .. سياق الآيات يتكلم عن خلق الإنسان و مكوناته .. لهذا وجب الرجوع إلى الخلية و هي وحدة بناء الإنسان المُنشأة .. و (الْبَلَدِ) قد أفرد القرآن الكريم لها سورة كاملة باسم (الْبَلَدِ) تتكلم فيها عن خلق الإنسان أيضاً .. {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} .. و يمكن الرجوع لتفسير هذه السورة و التي كان منها :

        لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ .. تعظيم لشأن المكوّن الأساسي للإنسان و هي الخلية .. و لأن النظام الخلوي عند جميع الناس واحد جاءت البلد مفردة.

        وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ .. المخاطب الإنسان الذي يحل وسط هذه البلد و مجموعة الخلايا الـتي تديرها النفس الحقل.

        وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ .. تتكثر هذه الخلايا بالتوالد و الانقسام الخلوي.

        لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ .. خُلق الإنسان في صميم الخلية و هي الكروموسومات.

يرد في القرآن الكريم مصطلح المدينة و القرية و البلدة و الفرق بينهم كمجتمع كالتالي .. (المدينة) تكون من الجانب الإداري هي مدينة و من الجانب الفكري هي (القرية) و من الجانب البيئـي الطبيعي هي (البلدة).

وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ .. كلمة الأمين تخص الخلية هنا .. من حيث طريقة بنائها فهـي مؤمّنه بجدار خلوي و تحت ضغط عالي يجعل الخلايا مترابطة بعضها ببعض .. و هذه الخلية فيها نظام دقيق لا تخرج عنه فهي أمينة في أداء عملها في الجسم فلا تخونه أبداً.

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ .. إنّ خلْق الله I خرج في أحسن زمان، و ذلك بعد أن استوى البشر .. كما أنّه I جعل جسم الإنسان قائم على قدمين رافع الرأس .. و هذا أحسن خلق كرّم الله به الإنسان.

ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ .. في علم الأحياء تُقسّم الكائنات حسب تعقيدات البناء فيها إلى مراتب .. و الإنسان في المرتبة رقم واحد .. و تتدرج الحيوانات من بعده .. و في آخر المراتب نجد الكائنات أُحادية الخلية مثل البكتريا .. فعند انتهاء دور جسم الإنسان يتحلل إلى كائنات أحادية الخلية مثل البكتريا حتـى ينتهـي به الأمر إلى مادته الأساسية التـراب .. و من زاوية أخرى قد تتسلط الكائنات الدقيقة على جسم الإنسان و تصيبه بالأمراض و هذا بِنقص المناعة عنده، فيصبح الجسم أدنى مرتبة بنقص قدراته مثل الحركة أو السمع أو البصر.

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ .. هنا استثناء من رددناه أسفل سافلين لمن (آمَنُوا) (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) و أن لهم أجر غيـر ممنون .. نفهم من قوله تعالى {الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ} و {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ} أنّ المنّ يكون باتجاه واحد فقط .. و بالمقابل غيـر ممنون أنه يكون باتجاهات متعددة و مختلفة .. و هذا هو أجر من آمن و عمل صالحاً .. يكون في عدة اتجاهات في الصحة و المال و الأهل و جميع جوانب الحياة.

فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ .. بعد أن تكلّم الخالق عن أصل الإنسان من الداخل و هو الخلية، و هذا هدف قريب أنت حالٌ فيه .. و ضع له الطريق المستقيم و هو الدين { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} .. و هذا هو الهدف البعيد و الرجاء فيه.

أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ .. إن الحِكمة هي الربط على الشيء .. لهذا تكلّم الله عن هذا، في آخر السورة {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} .. فالأسرُ هنا الربط المحكم للنفس داخل الجسد و ربط الخلايا بعضها ببعض تحت الضغط الجوي و الذي يعادل بار واحد (تقريباً) .. و كأنك تضع 100 كجم على كل 10 سنتيمتر مربع من أنحاء جسمك.

و ترتبط الحِكمة في نهاية هذه السورة .. بالأمر بالقراءة في بداية سورة العلَق التالية .. كما انّه ذكر كمال بُنية الخلق في سورة التين .. أكد في السورة التالية على الجانب السلوكي للإنسان و هي العلاقات الإنسانية من العَلق .. وتعليم التقليم.

* * *