{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)} البينة : 1 – 8

الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ .. الكفر هو من أكثر ما أُسيئ فهمه .. فهو من بنفس المعنى الإنجليزي Cover أو غطاء .. و عليه :

أولاً: المزارع عندما يضع البذور في الأرض فهو يعلم ماذا وضع، ثم يغطيها و هو يتوقع منتج من نوع محدد .. {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} الحديد : 20 .. يعني على المزارع أن يبذر و يغطي .. هذا المعنى اللغوي الأساسي.

ثانياً : المعنى الاصطلاحي للكافر .. يؤخذ من المثال التالي على أربع مراحل:

1.     لا يمكن أن تأخذ موقف من أحد ما لم يُظهر رأيه علناً.

2.     إذا كتب أو أظهر و أبدى الإنسان رأيه في موضوع ما بالقول، فالكفر هو لسان مقال .. {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} المائدة : 73 .. {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا …} المائدة : 17 .. فأنت تستطيع أن تأخذ موقف منه بالموافقة أو الضدّ .. فإذا أعلنت عدم موافقتك بهذا الرأي فأنت كافر به .. علماً بأنه لا يوجد في الأصل كُفر سرّي .. {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} آل عمران : 196 .. أي لا تأخذ موقفهم بشكل جدّي فالأمر ظاهر و كفرهم علني.

3.     إذا كان رأيه ضد رأيك فـأنت تستطيع أن تتخذ إجراء ضده بمنعه أو عزله و هذا موقف فعلي .. فالكافر هو من أخذت موقف ضده .. يعني الكفر بالرسالة المحمدية هو محاولة طمس و تغطية الرسالة المحمدية .. فمن كفر بالرسالة المحمدية {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} البينة : 1 .. الذين كفروا هم من رفضوا دعوة النبي ﷺ و وقفوا ضده .. بينما الصامتين و من لم يقف ضد الدعوة المحمدية لم يكن من الذين كفروا.

4.     يتم تصعيد الموقف إلى العنف .. و الحرب لا تكون إلا بين كفار أي يكفّر أحدهم الآخر علناً.. سعياً من كل طرف ليغطي الطرف الثاني .. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأنفال : 30 .. و هنا وصل الكفر إلى مرحلة العنف .. فالكفر نهايته الحرب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} الأنفال : 15.

5.     من القرآن الكريم يتضح أن الكفر لابد أن يكون بشيء ما .. و علي سبيل المثال في الحرب العالمية الثانية هتلر كفر بحق أوروبا .. و أوربا كفرت بنظام هتلر .. فصار القتال بين الكفار .. و كلاهما لا يؤمن بالرسائل المحمدية .. كما أنّ موقعة الجمل كانت حرب بين مسلمين كل واحد منهم كان كافر بحق الآخر في السلطة .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الحج : 17 .. لم يرد هنا المسلمين و المنافقين و الكافرين، لأن كل الفئات (الملل) فيها المسلم و الكافر و المنافق .. حيث إن الشرك هو لسان حال فلا أحد يقول أنا مشرك .. بينما الكافر هو من أخذ موقف ظاهر و علني .. و عكس الكفر أن لا أوافق على الرأي و هو البراءة .. يعني أنا بريء من هذا القول.

خلاصة القول : الكفر هو موقف علني واعٍ ضد أمرٍ ما، و الكفر لسان مقال أي تصرّف و موقف عدواني، فالكفر صفة إضافية لصفة الشرك فالكافر مشرك معلن عن شركه قولاً أو عملاً {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} الأحقاف : 3. والكفر جاء معنىً مقيّداً دائماً بالموقف المعبّر فيه عن الكفر، أي بتوضيح الكفر بماذا؟ فالكافر بالله هو المشرك به و المعلن عن ذلك بلسان مقال، و الكافر بنبوّة محمّد ﷺ و رسالته هو كلّ من اتّخذ موقفاً علنياً عدائياً ضدّه بتكذيبه و معاداته و التآمر عليه و محاربته {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأنفال : 30 .. و في الحروب يصبح وصف “الكافر” وصفاً يتراشق به الطرفان المتحاربان، فكلّ طرف يطلق على الطرف الآخر لقب “كافر” لأنّه أظهر العداء له، لهذا قال الله تعالى للمؤمنين من أتباع الرسول عن خصومهم الذين حاربوهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} الأنفال : 15.

* * *