تفسير الأخرين

هذه السورة متكونة من 11 آية فيها 36 كلمة من 158 حرف ..

{الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)} القارعة : 1 – 11

في اليوم الآخِر و بعد النفخ في الصور .. و تغيـرت الأرض غيـر الأرض و السماوات .. و تمّ إعادة إنشاء الأجساد من المواد و الأشكال و الأرض الجديدة .. لا يعلم أحد إلا الله .. كيف هي الحياة هناك .. و نكتفي بتقريب الوصف بما وصفه القرآن الكريم و بما نفهمه بما يشبهه عندنا {..كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا …} البقرة : 25 .. ففي عالمنا الحاضر يوجّه أفواج الناس و تقودهم صافرات الإنذار .. و هي أقوى وسيلة نعرفها الآن .. فإذا انطلقت صافرات الإنذار تُشاهد النّاس كلهم يتوجهون للالتزام بما يعرفونه عنها.

الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ .. الِافْتِتاحُ بِلَفْظِ القارِعَةِ افْتِتاحٌ مَهَوِّلٌ، و فِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبَرُ بِهِ، و هُوَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ .. و ﴿ما القارِعَةُ﴾ خَبَـرُهُ و يَكُونُ هُنالِكَ مُنْتَهـى الآيَةِ، فالمَعْنى: القارِعَةُ شَيْءٌ عَظِيمٌ .. و ما القارِعَةُ .. اسْتِئْنافًا لِلتَّهْوِيلِ، فالسُّورَةُ مُسَمَّطَةٌ مِن ثَلاثِ فَواصِلَ في أوَّلِها و ثَلاثٍ في آخِرِها و فاصِلَتَيْنِ وسَطَها .. و القارِعَةُ وصْفٌ مِنَ القَرْعِ و هو ضَرْبُ الجِسْمِ بِآخَرَ بِشِدَّةٍ لَها صَوْتٌ .. و أُطْلِقَ القَرْعُ مَجازًا عَلى الصَّوْتِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ السّامِعُ تَأثُّرَ خَوْفٍ أوِ اتِّعاظٍ ..﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌالرعد: ٣١ .. و جُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُعَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما القارِعَةُ.. و الخِطابُ في (أدْراكَ) لِغَيـْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: و ما أدْراكَ أيُّها السّامِعُ.

يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ .. الفَراشُ: فَرْخُ الجَرادِ حِينَ يَخْرُجُ مِن بَيْضِهِ مِنَ الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، و يطيـر باتجاهات متضاربة .. كما نراه عندما يحوم حول النار ليلاً .. و لكن هذا يأخذ فتـرة من الزمن إلى أن يسمع الناس صافرات الإنذار فيتوجهون نحوها .. خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ .. حيث إن أسراب الجراد تسير باتجاه واحد .. و هنا اختلف الوضع عن الفراش.

وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ .. العِهْنُ هو الصُّوفُ، و قِيلَ: يَخْتَصُّ بِالمَصْبُوغِ الأحْمَرِ، أوْ ذِي الألْوانِ، و ناسب ذكر النفش؛ لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقرعَ بالمقرعة .. فلفظ القارعة أنسب هنا .. و المنفوش زيادة على وصف سورة المعارج .. {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} المعارج : 9 .. و المَنفُوشُ: المُفَرَّقُ بَعْضُ أجْزائِهِ عَنْ بَعْضٍ لِيُغْزَلَ أوْ تُحْشى بِهِ الحَشايا، و وَجْهُ الشَّبَهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ؛ لِأنَّ الجِبالَ تَنْدَكُّ بِالزَّلازِلِ و نَحْوِها فَتَتَفَرَّقُ أجْزاءً.

فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ .. عرفنا كيف يمكن تحويل الطاقة إلى كتلة .. و نعلم أن جميع أعمالنا من مشاعر و أحاسيس و صلاة و صدقة .. كلها تحتاج إلى قياس .. وموازين دقيقة للغاية :

·      {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} الأنبياء : 47 .. وزن حبة الخردل 17/24.000 جرام، و قطرها 17/16 ملم3.. و هنا ليقرّب الله لنا الصورة في تحويل طاقة أعمالنا إلى مادة يضرب لنا المثل بواحدة من البذور التي نعرفها و هي حبة الخردل.

·      {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)} الأعراف : 8 – 9 ..

·      {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103)} المؤمنون : 102 – 103 ..

·      {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} المنافقون : 10 .. و من هذه الآية يتضح أنّ الصدقة من أثقل الأعمال في هذه الموازين.

و من ثقلت موازينه فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .. سينتقلون إلى عيشة راضية .. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ.

وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) .. من خفّت موازينه و لم تؤهله لرضا الله .. فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ .. بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ .. و الإجراء المتخذ بعد الوزن .. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ .. و لأن مركز الثقل في جسم الإنسان هو الرأس .. فعندما يُلقى في النار يسقط بأمّ جسده و هو الرأس في نارٍ حامية.

بعد ذكر ما سيحصل يوم القيامة و الموازين .. يذكر لنا القرآن الكريم أنّ هذا ناتج عن أعمالنا و أنّ العِلم بهذه الإجراءات سيتم على مرحلتين عند الموت و عند البعث و هذا في سورة التكاثر (التالية).

* * *