تفسير الأخرين

كلمة (التكاثر) 8 حروف ،آياتها 8، خالية من 8 حروف ( د ط ص ش خ ض ظ غ) .. ترتيبها 102و كلماتها 28 كلمة .. بدأت السورة بكلمة (أَلْهَاكُمُ)، اللَّهْو تكرر في القرآن 16 مرة في 13 سورة

لَهْواً 4 , لَهْوٌ 4 , لَهْوَ 1 , اللَّهْوِ 1 , وَيُلْهِهِمُ 1 , لَاهِيَةً 1 , تُلْهِيهِمْ 1 , تُلْهِكُمْ 1 , تَلَهَّى 1 , أَلْهَاكُمُ 1 = 16مرة.

{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} التكاثر : 1 – 8

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ .. من اللهو و هو الشغل بدون هدف .. الشغل بهدف محمود {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} يس : 55 .. و هذا قانون للإنسانية قاطبة .. فاللهو و التكاثر ليس بالممنوع .. إلا إذا كان التكاثر يأخذ كل الوقت في الحياة .. و التكاثر هو التنافس في الأموال و الأولاد .. و هذا فطري عند كل الناس .. و ما يفقده الإنسان في هذه الدنيا هو الرضا .. و حيث إنّ الإنسان مخلوق .. فالتكاثر يلهيهم عن الهدف من الوجود .. و ينشغل بالوسيلة.

حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ .. الوجود في القبور مؤقت (زيارة) .. و القبـر هو مكان وجود الأجداث .. {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21)} عبس : 17 – 21 .. و القبـر يكون تكريماً للجسد .. و هو سنّة شرعها الله لبنـي آدم .. {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} فاطر : 22 .. فالنفس (حقل) و الروح (أمر) تنفصلان عن الجسد و تذهبان إلى عالم البـرزخ .. حيث لا زمان و لا مكان فلا يسمعون صوتاً و لا يشعرون بالزمن .. ففي قياس الزمن الذي لبثناه في الأرض {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} المؤمنون : 113 .. و في قياس الزمن الذي لبثناه في البـرزخ {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} النازعات : 46 ..

كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ .. العِلم هذا عند الموت.

ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ .. العِلم هذا عند البعث.

هناك عِلمين .. عِلمٌ يتجلى أمامه ليعرّفه أنّه كان مخطئاً بانشغاله بالتكاثر و أنّه أذهله عن حقيقة وجوده و هو الموت .. ثم عِلمٌ آخر أرقى من الأول .. حيث (ثم) تستخدم في اللغة العربية لأمرين تراخي في الزمن أو المراتب .. و مرتبة البعث فوق مرتبة الموت .. لذلك ما يدرك الإنسان من حقائق في البعث أكبر من الحقائق التي يدركها عند الموت.

كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ .. اليقين هو ليس الموت، بل ما يصاحبه من أحداث :

        {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} المدثر : 42 – 47 .. و اليقين هنا هو ما يتجلى للإنسان من حقائق بالموت .. حيث تتجمع أمام الإنسان الحقائق التـي كانت مخفية عنه.

        {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر : 99 .. أيْ كن عابداً حتـى تتجلى لك الحقائق عند الموت .. {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} مريم : 31 .. لذا يجب الاستمرار في العبادة مع استمرار الحياة.

و اليقين ثلاث مستويات هي : علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين .. (انظر سورة البقرة).

لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ .. من العلم عند الموت، أن يشاهد الإنسان صورة لمقعده في الجنة و في النار و التي وضعت له كخيارين لا ثالث لهما عند بداية حياته في الرحم .. و ينتظر في البرزخ ليوم الحساب.

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ .. من العلم عند البعث، أنْ يرى الجميع الجحيم فيـزداد فرح من زحزح عنها {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} مريم : 71 .. و يزداد عذاب من هو مقتحم فيها.

ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ .. و هنا رد على مطلع السورة .. أن هناك سيكون سؤال عن اللهو و النعيم الذي نمارسه في الدنيا و قد يشغلنا عن أهدافنا.

بعد أن أعطانا الحق ملخص موجز لأحداث الحياة الدنيا و ما يلحقها في الآخرة من علوم .. سيوضح في السورة التالية كيف أن الإنسان يخسر بالعصر الكثيـر من الفوائد الضمنية في الغذاء .. و كذلك الزمن الذي يمضي عليه .. فالجري في الدنيا ما هو إلا خسارة نتيجة الاقتـراب من نقطة النهاية في كل يوم.

* * *