تفسير الأخرين

هي فقط 4 آيات مكونة من 17 كلمة و مبنية من 73 حرف و ترتيبها 106.

{لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} قريش : 1 – 4

افْتِتاحٌ مُبْدِعٌ، إذْ كانَ بِمَجْرُورٍ بِلامِ التَّعْلِيلِ و لَيْسَ بِإثْرِهِ بِالقُرْبِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ، فَفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ هَذا المَجْرُورِ .. و زادَهُ الطُّولُ تَشْوِيقًا، إذْ فُصِلَ بَيْنَهُ و بَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ (بِالفَتْحِ) بِخَمْسِ كَلِماتٍ، فَيَتَعَلَّقُ (لِإيلافِ) بِقَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) .. و تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ هو مِن أسْبابِ أمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها بِعِبادَةِ الأصْنامِ، و المَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (لِيَعْبُدُوا) .

و أصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: لِتَعْبُدْ قُرَيْشٌ رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ و آمَنَهم مِن خَوْفٍ لِإيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ و الصَّيْفِ، فَلَمّا اقْتَضى قَصْدُ الِاهْتِمامِ بِالمَعْمُولِ تَقْدِيمَهُ عَلى عامِلِهِ، تَوَلَّدَ مِن تَقْدِيمِهِ مَعْنًى جَعَلَهُ شَرْطًا لِعامِلِهِ، فاقْتَرَنَ عامِلُهُ بِالفاءِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ جَوابِ الشَّرْطِ، فالفاءُ الدّاخِلَةُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ ما قَبْلَها مِن قُوَّةِ الشَّرْطِ، أيْ: مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مَقْصُودٌ بِهِ اهْتِمامٌ خاصٌّ و عِنايَةٌ قَوِيَّةٌ هي عِنايَةُ المُشْتَرِطِ بِشَرْطِهِ، و تَعْلِيقُ بَقِيَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ لِما يَنْتَظِرُهُ مِن جَوابِهِ، و هَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الإيجازِ بَدِيعٌ.

لإِيلافِ : الإيلافُ مَصْدَرُ أأْلَفَ بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى ألِفَ و هُما لُغَتانِ، و الأصْلُ هو ألِفَ، و صِيغَةُ الإفْعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَصارَتْ تُسْتَعْمَلُ في إفادَةِ قَوْلِ الفِعْلِ مَجازًا ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأفْعالِ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ مِثْلَ سافَرَ، وعافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُمُ اللَّهُ .. و قَدْ كُتِبَ في المُصْحَفِ (إلافِهِمْ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، و أمّا الألِفُ المَدَّةُ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُكْتَبْ في الكَلِمَتَيْنِ في المُصْحَفِ عَلى عادَةِ أكْثَرِ المَدّاتِ مِثْلِها.

قُرَيْشٍ : لَقَبُ الجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُ بُطُونًا كَثِيرَةً، و هو فِهْرُ بْنُ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّسّابِينَ و ما فَوْقَ فِهْرٍ فَهم مِن كِنانَةَ، و لُقِّبَ فِهْرٌ بِلَقَبِ قُرَيْشٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، و هو عَلى الصَّحِيحِ تَصْغِيرُ قَرْشٍ بِفَتْحِ القافِ و سُكُونِ الرّاءِ و شِينٍ مُعْجَمَةٍ اسْمُ نَوْعٍ مِنَ الحُوتِ قَوِيٌّ يَعْدُو عَلى الحِيتانِ و عَلى السُّفُنِ.

إيلافِهِمْ: عَطْفُ بَيانٍ مِن إيلافِ قُرَيْشٍ و هو مِن أُسْلُوبِ الإجْمالِ، فالتَّفْصِيلُ لِلْعِنايَةِ بِالخَبَرِ لِيَتَمَكَّنَ في ذِهْنِ السّامِعِ، و مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ غافر: ٣٦-37 حِكايَةً لِكَلامِ فِرْعَوْنَ.

رِحْلَةَ : بِكَسْرِ الرّاءِ اسْمٌ لِلِارْتِحالِ، و هو المَسِيرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ بَعِيدٍ، و لِذَلِكَ سُمِّيَ البَعِيرُ الَّذِي يُسافَرُ عَلَيْهِ راحِلَةً .. و إضافَةُ رِحْلَةٍ إلى الشِّتاءِ مِن إضافَةِ الفِعْلِ إلى زَمانِهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ الفِعْلُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِهِ مِثْلَ قَوْلِكَ: سَهَرُ اللَّيْلِ، و قَدْ يَكُونُ وقْتًا لِابْتِدائِهِ مِثْلَ صَلاةِ الظُّهْرِ، و ظاهِرُ الإضافَةِ أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ و الصَّيْفِ مَعْرُوفَةٌ مَعْهُودَةٌ، و هُما رِحْلَتانِ .. فَعَطَفَ (و الصَّيْفِ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: و رِحْلَةَ الصَّيْفِ، لِظُهُورِ أنَّهُ لا تَكُونُ رِحْلَةً واحِدَةً تُبْتَدَأُ في زَمانَيْنِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُما رِحْلَتانِ في زَمَنَيْنِ.

الشِّتَاءِ : اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ المُقَسَّمَةِ إلى أرْبَعَةِ فُصُولٍ .. و فَصْلُ الشِّتاءِ تِسْعَةٌ و ثَمانُونَ يَوْمًا و بِضْعُ دَقائِقَ مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الجَدْيِ .. و نِهايَتُها خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ الحُوتِ، و بُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ: الجَدْيُ، و الدَّلْوُ، و الحُوتُ، و فَصْلُ الشِّتاءِ مُدَّةُ البَرْدِ.

وَالصَّيْفِ : اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، و هو زَمَنُ الحَرِّ، و مُدَّتُهُ ثَلاثَةٌ و تِسْعُونَ يَوْمًا و بِضْعُ ساعاتٍ، مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ السَّرَطانِ و نِهايَتُهُ خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ السُّنْبُلَةِ، و بُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ، السَّرَطانُ، و الأسَدُ، و السُّنْبُلَةُ.

و السَّنَةُ بِالتَّحْقِيقِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: الصَّيْفُ: ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، و هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العِراقِ وخُراسانَ الرَّبِيعَ، ويَلِيهِ القَيْظُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، و هو شِدَّةُ الحَرِّ، و يَلِيهِ الخَرِيفُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، و يَلِيهِ الشِّتاءُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ .. و هَذِهِ الآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاصْطِلاحَيْنِ، و اصْطِلاحُ عُلَماءَ المِيقاتِ تَقْسِيمُ السَّنَةِ إلى رَبِيعٍ و صَيْفٍ و خَرِيفٍ و شِتاءٍ، و مَبْدَأُ السَّنَةِ الرَّبِيعُ هو دُخُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الحَمَلِ .. و هاتانِ الرِّحْلَتانِ هُما رِحْلَةُ تِجارَةٍ و مِيرَةٍ كانَتْ قُرَيْشٌ تُجَهِّزُهُما في هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ مِنَ السَّنَةِ إحْداهُما في الشِّتاءِ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ اليَمَنِ يَبْلُغُونَ بِها بِلادَ حِمْيَرَ، و الأُخْرى في الصَّيْفِ إلى الشّامِ يَبْلُغُونَ بِها مَدِينَةَ بُصْرى مِن بِلادِ الشّامِ.

و كانَ الَّذِينَ سَنَّ لَهم هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، و سَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَرِيهِمْ خَصاصَةٌ، فَإذا لَمْ يَجِدْ أهْلُ بَيْتٍ طَعامًا لِقُوتِهِمْ حَمَلَ رَبُّ البَيْتِ عِيالَهُ إلى مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خِباءً و بَقُوا فِيهِ حَتّى يَمُوتُوا جُوعًا، و يُسَمّى ذَلِكَ الِاعْتِفارَ (بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ و بِالرّاءِ، وقِيلَ: بِالدّالِ عِوَضَ الرّاءِ وبِفاءٍ) فَحَدَثَ أنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِن بَنِي مَخْزُومٍ أصابَتْهم فاقَةٌ شَدِيدَةٌ فَهَمُّوا بِالِاعْتِفارِ فَبَلَغَ خَبَرُهم هاشِمًا؛ لِأنَّ أحَدَ أبْنائِهِمْ كانَ تِرْبًا لِأسَدِ بْنِ هاشِمٍ، فَقامَ هاشِمٌ خَطِيبًا في قُرَيْشٍ وقالَ: إنَّكم أحْدَثْتُمْ حَدَثًا تَقِلُّونَ فِيهِ و تَكْثُرُ العَرَبُ و تَذِلُّونَ و تَعِزُّ العَرَبُ و أنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ و النّاسُ لَكم تَبَعٌ و يَكادُ هَذا الِاعْتِفارُ يَأْتِي عَلَيْكم، ثُمَّ جَمَعَ كُلَّ بَنِي أبٍ عَلى رِحْلَتَيْنِ لِلتِّجاراتِ فَما رَبِحَ الغَنـِيُّ قَسَّمَهُ بَيْنَهُ و بَيْنَ الفَقِيـرِ مِن عَشِيرَتِهِ حَتـّى صارَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ .. و لَمْ تَزَلِ الرِّحْلَتانِ مِن إيلافِ قُرَيْشٍ حَتّى جاءَ الإسْلامُ و هم عَلى ذَلِكَ.

و مَعْنى الآيَةِ تَذْكِيرُ قُرَيْشٍ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إذْ يَسَّرَ لَهم ما لَمْ يَتَأتَّ لِغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ مِنَ الأمْنِ مِن عُدْوانِ المُعْتَدِينَ، و غاراتِ المُغِيرِينِ في السَّنَةِ كُلِّها بِما يَسَّرَ لَهم مِن بِناءِ الكَعْبَةِ و شِرْعَةِ الحَجِّ و أنْ جَعَلَهم عُمّارَ المَسْجِدِ الحَرامِ و جَعَلَ لَهم مَهابَةً و حُرْمَةً في نُفُوسِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الأشْهُرِ الحُرُمِ و في غَيْرِها .. و عِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الحُرُمَ و القَبائِلِ الَّتِي لا تُحَرِّمُها مِثْلَ طَيِّءٍ و قُضاعَةَ و خَثْعَمَ، فَتَيَسَّرَتْ لَهُمُ الأسْفارُ في بِلادِ العَرَبِ مِن جَنُوبِها إلى شَمالِها، و لاذَ بِهِمْ أصْحابُ الحاجاتِ يُسافِرُونَ مَعَهم، و أصْحابُ التِّجاراتِ يُحَمِّلُونَهم سِلَعَهم، و صارَتْ مَكَّةُ وسَطًا تُجْلَبُ إلَيْها السِّلَعُ مِن جَمِيعِ البِلادِ العَرَبِيَّةِ فَتُوَزَّعُ إلى طالِبِيها في بَقِيَّةِ البِلادِ، فاسْتَغْنى أهْلُ مَكَّةَ بِالتِّجارَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ زَرْعٍ و لا ضَرْعٍ، إذْ كانُوا بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ و كانُوا يَجْلِبُونَ أقْواتَهم فَيَجْلِبُونَ مِن بِلادِ اليَمَنِ الحُبُوبَ مِن بُرٍّ و شَعِيرٍ و ذُرَةٍ و زَبِيبٍ و أدِيمٍ و ثِيابٍ و السُّيُوفَ اليَمانِيَّةَ، و مِن بِلادِ الشّامِ الحُبُوبَ و التَّمْرَ و الزَّيْتَ و الزَّبِيبَ و الثِّيابَ و السُّيُوفَ المَشْرَفِيَّةَ، زِيادَةً عَلى ما جُعِلَ لَهم مَعَ مُعْظَمِ العَرَبِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، و ما أُقِيمَ لَهم مِن مَواسِمِ الحَجِّ و أسْواقِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ .. فَذَلِكَ وجْهُ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِتَوْحِيدِهِمُ اللَّهَ بِخُصُوصِ نِعْمَةِ هَذا الإيلافِ مَعَ أنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ نِعَمًا كَثِيرَةً؛ لِأنَّ هَذا الإيلافَ كانَ سَبَبًا جامِعًا لِأهَمِّ النِّعَمِ الَّتِي بِها قِوامُ بَقائِهِمْ.

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ : و العِبادَةُ الَّتـِي أُمِرُوا بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكِ الشُّرَكاءِ مَعَهُ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ إشْراكَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِها لَيْسَ بِعِبادَةٍ أوْ لِأنَّهم شُغِلُوا بِعِبادَةِ الأصْنامِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ فَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا في أيّامِ الحَجِّ في التَّلْبِيَةِ عَلى أنَّهم قَدْ زادَ بَعْضُهم فِيها بَعْدَ قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ و ما مَلَكَ.

رَبَّ هَذا البَيْتِ : تَعْرِيفُ (رَبَّ) بِالإضافَةِ إلى (هَذا البَيْتِ) دُونَ أنْ يُقالَ: فَلْيَعْبُدُوا اللَّهَ، لِما يُومِئُ إلَيْهِ لَفْظُ (رَبَّ) مِنِ اسْتِحْقاقِهِ الإفْرادَ بِالعِبادَةِ دُونَ شَرِيكٍ .. و أُوثِرَ إضافَةُ (رَبَّ) إلى (هَذا البَيْتِ) دُونَ أنْ يُقالَ: رَبُّهم لِلْإيماءِ إلى أنَّ البَيْتَ هو أصْلُ نِعْمَةِ الإيلافِ بِأنْ أمَرَ إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ سَبَبًا لِرِفْعَةِ شَأْنِهِمْ بَيْنَ العَرَبِ .. قالَ تَعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ) المائدة: ٩٧ .. و ذَلِكَ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ الحَرامِ و فَضْلِهِ .. و البَيْتُ مَعْهُودٌ عِنْدَ المُخاطِبِينَ .. و الإشارَةُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ العَهْدِ كانَ كالحاضِرِ في مَقامِ الكَلامِ عَلى أنَّ البَيْتَ بِهَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ و رَبُّ البَيْتِ هو اللَّهُ، و العَرَبُ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ.

الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ : و أُجْرِيَ وصْفُ الرَّبِّ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ رَبِّ البَيْتِ الحَرامِ بِعِلَّةٍ أُخْرى زِيادَةً عَلى نِعْمَةِ تَيْسِيرِ التِّجارَةِ لَهم، و ذَلِكَ مِمّا جَعَلَهم أهْلَ ثَراءٍ، و هُما نِعْمَةُ إطْعامِهِمْ و أمْنِهِمْ .. و هَذِهِ إشارَةٌ إلى ما يُسِّرَ لَهم مِن وُرُودِ سُفُنِ الحَبَشَةِ في البَحْرِ إلى جَدَّةَ تَحْمِلُ الطَّعامَ لِيَبِيعُوهُ هُناكَ، فَكانَتْ قُرَيْشٌ يَخْرُجُونَ إلى جَدَّةَ بِالإبِلِ و الحُمُرِ فَيَشْتَرُونَ الطَّعامَ عَلى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ، و كانَ أهْلُ تَبالَةَ و جُرَشَ مِن بِلادِ اليَمَنِ المُخْصِبَةِ يَحْمِلُونَ الطَّعامَ في مَكَّةَ، فَكانُوا في سِعَةٍ مِنَ العَيْشِ بِوَفْرِ الطَّعامِ في بِلادِهِمْ كَذَلِكَ يُسِّرَ لَهم إقامَةُ الأسْواقِ حَوْلَ مَكَّةَ في أشْهُرِ الحَجِّ و هي سُوقُ مَجَنَّةَ، و سُوقُ ذِي المَجازِ، و سُوقُ عُكاظٍ، فَتَأْتِيهِمْ فِيها الأرْزاقُ و يَتَّسِعُ العَيْشُ، و إشارَةٌ إلى ما أُلْقِيَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَةِ مَكَّةَ و أهْلِها فَلا يُرِيدُهم أحَدٌ بِتَخْوِيفٍ، و تِلْكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلامُ – إذْ قالَ: (رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) البقرة: ١٢٦.

و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (جُوعٍ) وعَلى (خَوْفٍ) مَعْناها البَدِلِيَّةُ، أيْ: أطْعَمَهم بَدَلًا مِنَ الجُوعِ و آمَنَهم بَدَلًا مِنَ الخَوْفِ .. و مَعْنى البَدَلِيَّةِ هو أنَّ حالَةَ بِلادِهِمْ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُها في جُوعٍ .. فَإطْعامُهم بَدَلٌ مِنَ الجُوعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ البِلادُ، و أنَّ حالَتَهم في قِلَّةِ العَدَدِ و كَوْنِهِمْ أهْلَ حَضَرٍ و لَيْسُوا أهْلَ بَأْسٍ و لا فُرُوسِيَّةٍ و لا شَكَّةِ سِلاحٍ تَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مُعَرَّضِينَ لِغاراتِ القَبائِلِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الأمْنَ في الحَرَمِ عِوَضًا عَنِ الخَوْفِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قِلَّتُهم قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ العنكبوت: ٦٧ .

و تَنْكِيـرُ (جُوعٍ) و(خَوْفٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلتَّعْظِيمِ، إذْ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ جُوعٌ و خَوْفٌ مِن قَبْلُ .. و في هذه السورة يذكّرهم الحق عزّ و جل أنّه أنعم عليهم بإيلاف رحلة الشتاء إلى اليمن و رحلة الصيف إلى الشام .. حتى أصبحت عندهم عادة للتجارة .. و أنّ أهمّ نعمتين ينعم الله بها على الإنسانية هي توفر الطعام و الأمن .. و هنا تقديم الشتاء على الصيف و الجوع على الخوف في سورة قريش .. فالمعروف أنّ حاجة الإنسان للطعام في الشتاء أكثر من الصيف .. و الخوف في الصيف أكثر لأنه فيه يكثر قطّاع الطرق و الزواحف .. لذا قدّم تعالى الشتاء و الخوف على الصيف و الجوع .. و قال أيضاً أطعمهم و لم يقل أشبعهم لأن الإطعام أفضل من الإشباع، و لقد جاءت سورة قريش بعد سورة الفيل للتركيز على الأمن في البيت الحرام بعد عام الفيل.

فبعد أن ذكر الله I ما مَنّ به على قريش في مكة من رحلة الشتاء و الصيف، حيث كان الرسول r بين ظهورهم .. أظهر أن أعداء الإسلام متواجدين في كل مكان .. إمّا بشكل ظاهر كما تفعله قريش أو بشكل باطن كما يفعله المنافقون .. و يذكر بعض أوصافهم في سورة الماعون التالية

* * *