سورة الهمزة تتكون من 9 آيات في 33 كلمة مبنية من 133 حرف .. و ترتيبها 104 من بداية القرآن الكريم و يبقى بعدها 10 سور فقط عدد آيات هذه السور العشر 48 آية .. و مع آيات سورة الهمزة تصبح (57) آية .. بينما من بداية القرآن الكريم و بعد 10 سور فقط تظهر سورة هود ترتيبها 11 بعدد 123 آية .. و عدد الآيات من بداية المصحف إلى سورة هود هو 1473 آية و مع آيات سورة هود تصبح (1596= 28×57) آية .. لاحظ تكرار الرقم 57 في العلاقتين .. كما إن الفرق بين مجموع آيات السور العشر 1473 – 48 = 1425 آية .. و هذا لرقم = 25 × (57) .. كما أنّ بين سورة هود و الهمزة مجموعة سور تبدأ من سورة يوسف (111 آية) و تنتهـي بسورة العصر (3 آيات) .. مجموع آياتهما (114 آية).

في القرآن الكريم سورتان عظيمتان كريمتان مبتدئة بـ (ويل) .. ويلٌ لمن خاض في أموال الناس بالباطل و اعتدى عليها و أخذها من طريق غيـر مشروع و أكلها غِش وخِداع و نصب و احتيال و تدليس {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} المطففين : 1 – 6 .. و هذه السورة (الهمزة) لمن خاض في أعراض الناس و أطلق لسانه في الناس سبّاً و قذفاً و غيبةً و نميمةً و همزاً و لمزاً وسُخريةً و قيلاً و قالاً .. فالويل في اللغة العربية معناه العقاب المستقبلي، وعيدٌ شديدٌ من الله I بالويل و الوبال و الثبور.

{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)} الهمزة : 1 – ٩

وَيْلٌ .. في هذه السورة يبتدئ الله I بكلمة، و هي كلمةُ وعيد؛ أيْ إنّها تدلُّ على ثبوت وعيدٍ لِمَن اتَّصَفَ بهذه الصفات .. هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ إلى آخره.

لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ .. (كُل) من صِيَغ العموم، و الْهُمَزَة و اللُّمَزَة: وصْفانِ لموصوفٍ واحدٍ:

·      فالْهَمْزُ بالفعل .. يعـني أنَّه يسخر من الناس بفِعْله؛ {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} القلم ١٠، ١١ .. إمَّا أن يلوي وجهه أو يعبس بوجهه أو ما أشبهَ ذلك، أو بالإشارة؛ لَـمَّا يُشير إلى شخصٍ يقول: "انظروا إليه" لِيَعيبه، أو ما أشبهَ ذلك .. إمَّا بفِعْله و هو الهمَّاز الذي يهمز الناس بعينيه سخريةً، و يعمل حركة ليظهر معايب الإنسان أمام الآخرين على ملأ من أجل الفضيحة و هو يطعن في الوجه و يُسيء الأدب.

·      و اللَّمْزُ باللِّسان {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} التوبة ٥٨ .. و هو اللَّمَّاز يلمز الناس بلسانه و يطعن من الخلف و يلحق الضرر بالآخرين عن طريق الغيبة و النميمة و يتربص لتصيد الأخطاء.

الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ .. هذه أيضًا من أوصافه القبيحة، جَمَّاعٌ مَنَّاعٌ؛ يجمع المالَ و يمنع العطاءَ، فهو بخيلٌ لا يعطي، يجمع المالَ و يُعَدِّده.

يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ .. يظنُّ هذا الرجل أنّ ماله سيُخْلِّده ويُبقيه، إمَّا بجسمه و إمَّا بذِكْره؛ لأنَّ عُمر الإنسانِ ليس ما بَقِيَ في الدنيا، بل عُمر الإنسانِ -حقيقةً- ما يُخَلِّده بعد موته و تكون ذِكْراه في قلوب الناس و على ألسنتهم.

كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ .. ﴿كَلَّا﴾ هنا يُسَمِّيها العلماء حرفَ رَدْع؛ أيْ تَرْدَع هذا القائلَ أو هذا الحاسِبَ عن قوله أو عن حُسْبانه، و يحتمل أنْ تكون بمعنـى (حقًّا)؛ حقًّا لَيُنْبَذَنَّ، و كلاهما صحيح. هذا الرجُل لن يُخْلِدهُ مالُه و لن يُخْلِّد ذِكْراه، بلْ سيُنسى و يُطوَى ذِكْرُه، و ربما يُذْكَر بالسوء لعدم قيامه بما أوجبَ الله عليه من البَذْل .. ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ اللام هذه واقعةٌ في جواب القَسَم المقدَّر، و التقدير: و اللهِ لَيُنْبَذَنَّ في الْحُطَمَة؛ أي: يُطرَح طرحًا. و إذا قُلنا: إن اللام في جواب القَسَم صارتْ الجملةُ هذه مؤكَّدةً باللام و نون التوكيد و القَسَم المحذوف، و مِثْل هذا كثيـرٌ في القرآن الكريم، و الله تعالى يُقْسِم بالشيء تأكيدًا له و تعظيمًا لشأنه .. و قوله: ﴿ لَيُنْبَذَنَّ ﴾ يُنْبذ صاحبُ المالِ و المالُ، كلاهما يُنْبَذ؛ أمَّا صاحبُ المال فإنَّ الله يقول في آية أخرى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} الطور ١٣.. يُدفَعون و يُداسون بالأيدي أو بما شاء الله، و هُنا يقول: يُنْبَذ؛ أي: يُطْرَح.

فِي الْحُطَمَةِ .. و الْحُطَمَة هي الـتي تحطم الشيءَ و فيها الراعي العَسُوف العنيف.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ .. و هذه الصيغة للتعظيم و التفخيم ..

نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ .. هذا الجواب، هي نارُ اللهِ الموقَدة، و أضافها الله I إلى نفسه لأنَّه يُعَذِّب بها مَن يستحقُّ العذاب، فهـي عقوبةُ عدلٍ و ليست عقوبةَ ظُلْم.

نفهم من هذه الآيات التـي تصف النار بأنّها مكان مغلق مؤصد .. كما هو الحال في المفاعل النووي الذي يجب أنْ يكون مغلق و مؤصد .. و يعمل المفاعل بإدخال أعمدة مِن مادة اليورانيوم المخصّب .. و في هذا التفاعل يحصل انشطار للأنوية {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} الأنعام: ٩٥ .. و انشطار النّوى ينتج عنه أشعة جاما .. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ .. و هي حقل النفس (كما تمّ شرحه) .. فيكون هذا النوع من العذاب شديد جداً جداً على النفس .. و قد وجدنا في هذا العصر أن أقوى درجة حرارة نصل إليها تكون في داخل المفاعلات النووية .. و المفاعل النووي يعمل من خلال قضبان على شكل أعمدة طويلة .. تصل إلى داخل المفاعل و يتم إدخالها بالتدريج داخل المفاعل ليتم الاحتـراق و إنتاج الطاقة .. لهذا يجب أن يكون قلب المفاعل مغلق و بشكل قويّ .. و لم أجد وصف لهذه الحالة إلا قوله تعالى { إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } الهمزة : 8 – 9 .. و فيه وصف الحُطمة و المفاعل النووي المغلق و قضبان الاشتعال الممددة.

بعد أن ذكر عز و جل الهمز و اللمز و البخل .. وهي كلها عادات سيئة .. ذكر طاقات الحرب العصرية .. و القوة النووية .. سيرجع بالذاكرة إلى قتل جيش أبرهة بالطيور الأبابيل .. ليوضخ لقريش و المشركين قدرته عز و جل على استخدام القوة بجميع الأشكال لتستمر دعوة محمد ﷺ إلى الإسلام.

* * *