تفسير الأخرين

سورة النصر آخر سورة نزلت من القرآن الكريم بعدد 3 آيات فيها 19 كلمة مكونة من 80 حرف .. تكررت فيها الحروف (ا ح د ر س ل و) و الـتي تتكون منها كلمة (محمد رسول الله) بمجموع 63 مرة و هي على الترتيب كما يلي :

الحرف ………… م ح م د ر س و ل ا ل ل ه

عدد التكرار … 1 3 1 3 4 3 6 7 17 7 7 4 مجموع هذه الأرقام 63 .. مجموع هذه الأرقام هو : 1 + 3 + 1 + 3 +4 + 3 + 6 + 7 + 17 + 7 + 7 + 4 = 63 عمر النبي محمد!!

و هي سورة مدنية تتحدث عن بداية مشروع فتح مكة .. و هو صلح الحديبية .. و الذي أعز الله تعالى به المسلمين و انتشر به الإسلام في جزيرة العرب .. و انتصر الحق و زهق الباطل و دخل الناس في دين الله أفواجا .. و قد كان الإخبار من الله تعالى بفتح مكة قبل وقوعه .

{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} النصر : 1 – 3

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ .. النصر هو الإعانة و التقوية في مواجهة مخالف .. و فيه لا بدّ أن يكون هناك طرف مقابل أو فكرة مخالفة أو مقابلة جماعة مخالفين لتسميته نصر .. أمّا إذا لم يوجد مقابل فنسميه (عون) .. لهذا نقول نصر الفكرة و الإسلامية مع أنه في مقابلها فكرة أخرى .. فيكون هنا نصر المسلمين أنفسهم.

وَالْفَتْحُ .. و هو عكس الإغلاق، و الفتح من الله يكون في الجانب المادي و المعنوي .. فقد تستغلق علينا فكرة، فيكون منه حلها، و هو فتح .. و مثال عليه إذا ارتج أو أغلق على الإمام في القراءة فنحن نفتح عليه بتذكيره .. و إزالة الأشكال و الغموض في الفهم و هو فتح .. و في الجانب المادي، قديماً كان للمدن أسوار و سكانها يدخلون من الأبواب .. فمن يحتلها و يدخلها عنوة هو الفتح .. و الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا مستوعبين ابتداءً أن في صُلح الحديبية فتح .. فقد كانت الشروط الـتي تم توقيعها في الوهلة الأولى أنها مُجحفة .. فبعد الشروط التـي قبلها الرسول ﷺ في صلح الحديبية .. و لما نزلت (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) تسألوا (أو فتحٌ هو؟) .. ففي السنة السادسة كان صلح الحديبية و في شهر رمضان بعد سنتين كان فتح مكة .. و في هذه السنتين و ببساطة لـمـّا أَمِنت الناس بدأت تدخل في الإسلام .. و العشرة آلاف جندي الذين فتح بهم الرسول ﷺ مكة جاءوا بعد صُلح الحديبية .. بينما كان الصحابة الذين رافقوا الرسول في الصلح ألف و ستمائة جندي فقط .. لهذا لما التقت الناس بعضها البعض و بدأت تتحدث عن الإسلام، كان تأثير المسلمين على الوثنين أكبـر، و بدأت الناس ههنا و ههنا تُسلِم .. بحيث عاد الرسول ﷺ إلى فتح مكة بعشرة آلاف جندي .. هذا غير من أسلم من النساء و الأطفال.

و لقد كان ذهاب من كان من المسلمين للمشركين عملية غربلة للمسلمين .. و هم كانوا بأمسّ الحاجة إلى التنقية .. و كان من دخل من المشركين إلى الإسلام فقد دخل برغبة و اقتناع .. و يظهر هذا أيضاً في انتشار الإسلام في أصقاع الأرض .. فقد كان بسبب من هاجر من المسلمين و اقتنع به الآخرون رغبةً و طواعية .. فلو وافق المشركون للرسول و أصحابه بأن يحجوا كما يعملون مع بقية القبائل لما صار هذا الفتح، إذاً فتح مكة بدأ بصلح الحديبية.

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا .. و كان العام التاسع هو عام الوفود لكثـرة من دخلوا الإسلام من القبائل في هذا العام .. حـتى أن الرسول لم يتمكن في هذا العام من الحج .. و لكنه حج في السنة العاشرة ..

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا .. .. و قد نستغرب من علاقة النصر بالاستغفار .. حيث تُعلِمنا سورة النصر أنه في نهاية الأعمال العظيمة في ديننا لا بد من الاستغفار .. تماماً كما نفعل عقب الصلوات و الحج و الصوم و كل الأعمال العبادية التي نقوم بها.

و بعد هذا النصر تأتي بعض الفتين و من يشعلها هو (أبو لهب) .. لهذا السورة التالية ستتحدث عن من يشعل الفتن بجميع أشكالها.

* * *