تفسير الأخرين

كلمة (الماعون) تتألف من 7 حروف .. و سورة الماعون تتألف من 7 آيات (مثل سورة الفاتحة)، و عدد حروفها 114 حرفاً .. .. و ترتيبها 107 .. و عدد السور بعدها 7 سور .. مجموع ترتيها مع عدد آياتها = 107+ 7 = 114.

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)} الماعون : 1 – 7

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ : الذي يكذب بالدين بالنسبة لله تعالى في سورة الماعون أيْ يكذّب بكل الدين .. لاحظوا المدخل القويّ للسورة الكريمة .. أرأيت الذي يكذّب بالدين؟

فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ! : علاقة من يكذب بالدين، باليتيم .. إنّ الله يريد العلاقات الاجتماعية الجيدة و التعامل بشكل جيد و التسامح مع الآخرين، و هو أنْ تكون مصدّقاً بالدين .. لكن من يكذّب بالدين ،فذلك الذي يدعّ اليتيم.

وَ لَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ : المسكين هو كل إنسان عنده عمل، لكن دخل هذا العمل لا يكفي حاجته .. {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} الكهف : 79 .. إذاً أصحاب السفينة عندهم عمل .. لكنهم مساكين، و هذا من الجانب العملي في الدين.

فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ .. لم يقل( عن إقامة صلاتهم ساهون) أو (عن صلاتهم مع الله ساهون) أو (الذين هم في صلاتهم ساهون) .. بل قال (عن الصلاة) التي تمثل الصلة و الدعاء و التواصل مع الله هم ساهون عنها .. و بالتالي هم يراءون في صلاتهم الحركية المقامة .. و أخطر من ذلك أنهم يمنعون الماعون، أيْ يمنعون أيّ أحدٍ يساعد أيّ أحدٍ آخر .. يمنعون الماعون عن المحتاجين، إذاً الذي يكذّب بالدين هو الذي لا يصدّق بالدين و لا يطبّق تعليماته.

محور هذه السورة .. فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ .. و كما علمنا أنّ الصلاة نوعين، (الدعاء) و (الإقامة) و هي التي تتضمن الأفعال السجود و الركوع .. فلم يقل تعالى المقيمين الصلاة– أو –الذاكرين لله – لأن كلمة المصلين تشمل الاثنين، كما هي كلمة الصلاة، فهو هنا I يتوعد الذين يقيمون الصلاة و الذين يذكرون الله، أيْ فعل الصلاة و فعل إقامة الصلاة، (ساهون) عن تلاوة القرآن و التسبيح و إقامة الصلاة كذلك، و كلمة ساهون جذرها اللغوي هو فعل سهى، فنقول سهى فلان عن الأمر، بمعنى تركه مع علمه به، و هنا يتوعّد الله بالويل للذين يغفلون عن الصِلة به، من تلاوة القرآن و التسبيح و إقامة الصلاة، و لا يقومون بها إلا رياءً، و هم المنافقون الذين قال فيهم {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء : 142 .. و في هذه الآية ذكر تعالى الصلاة التي تُقام، لأننا عندما نقيم الصلاة فنحن نقوم بحركتي الركوع و السجود، و هذا يراه الناس فيعلمون بأننا نقيم الصلاة، لكن لا يعلمون سعينا، أيْ هل نسعى لذكر الله أم نسعى ليرانا الناس فقط، وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا، و ذلك لأننا عندما نتلوا القرآن أو نسبّح قد لا يراه الناس، و بالتالي لا يعلمونه، و لهذا فصَلَ الله تعالى بين الصلاة التي تقام و الصلاة التي لا تقام، و لهذا نعت الذين يقومون بفعل الصلاة بنوعيها بالمصلين.

فعندما تحدث تعالى في السورة عن المصلين و توعدّهم بالو يل، فهو يتكلم I عن المصلين المنافقين، و الذين بينّهم تعالى في الآية 142 من سورة النساء كما بينّا، و لهذا عرّفهم I في آخر السورة الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ .. و هم المنافقون، و الذين هم كذلك يمنعون الماعون، و كلمة الماعون جذرها اللغوي هو فعل (معن) يعني نفع، فالمعنُ هو كل ما يُنتفع به، يمنعون كل ما ينفع الناس، و لهذا بدأ بقوله تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ .. فدعّ اليتيم و عدم الحضّ على طعام المسكين، يُعدّ نوع من منع الماعون.

و بعد هذا التقريع للمنافقين .. وهب الله عز و جل الكثير من ممتلكات المنافقين للرسول الكريم ﷺ .. ليتوجه بالدعاء له بإتقان .. و ينقطع من متطلبات الحياة المادية إلى المنهج الفكري في الدعوة .. حيث سيصرف الله عنه الكفّار و المشركين .. لفترة من الزمن حتى تنتصر فكرة الإسلام و يدخل فيه الناس أفواجاً.

* * *