تفسير الأخرين

و فيها:

        أقصر سور القرآن الكريم من حيث عدد الكلمات 10 كلمات.

        جميع آيات السورة ختمت بحرف الراء.

        آخر السورة حرف الراء .. ليصبح هناك 10سور في القرآن الكريم تنتهي بحرف الراء (المائدة، الحج، لقمان، الشورى، القمر، الممتحنة، القدر ، العاديات، العصر و آخرها الكوثر).

        الآية الأولى مبنية من 10 حروف فقط مع اعتبار الهمزات و المد حرف واحد(إأا).

        الآية الثانية مبنية من 10 حروف فقط (اللام مكرر ثلاث مرات).

        الآية الثالثة مبنية من 10 حروف فقط مع اعتبار الهمزات و المد حرف واحد (إاأئ).

        -أكثر الحروف تكرارا في السورة هو الألف (أإ) و تكّرر فيها 10 مّرات (5 في الآية الأولى و مرة في الآية الثانية و 4 مرات في الآية الثالثة مع استبعاد الهمزة).

        الحروف التي ورد كل منها مّرة واحدة عددها 10.

{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} الكوثر : 1 – 3

الْكَوْثَرَ : هو الخير الكثيـر .. حيث إن الله I يخاطب فيها البشرية جمعاء، و كل فرد فينا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل : 18 .. فإن هذه السورة لتكون عبرة أساسية و مهمة جداً لمواساة كلّ من يشعر بالنقص أو الانقطاع .. فإن الله I أعطانا الخير الكثير و المستمر كذلك .. أعطى كل من لديه نقص خيراً كثيراً يجب أن يبحث عنه .. حتى لو لم يراه، يجب عليه أن يبحث عنه في نفسه و إمكانياته و قدراته .. و التـي هي أصلاً من عطاء الله له .. لذلك أمرنا الله I أن نصلّي، و أن نتواصل معه لاستشعار ما هو الخير الكثير الذي حصلنا عليه تعويضاً عن هذا النقصان .. و النحر أيْ أنّك يجب أن تنتصر و تُظهِر ظاهر نحرك .. فتكون فخوراً بما لديك .. مرفوع الرأس منتصب القامة .. تُظهِر نحرك بكل ما في هذه الكلمة من معنـى من الفخر و الاعتـزاز بعطاء الله لك {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} الإسراء : 70 .. كتاب الله كتابٌ علمـّي و له قواعد .. {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} الأنعام : 104.

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ .. هذه السورة عامّة .. و لكنها أيضاً تجسد حياة الرسول العظيم محمد r .. فهـي تخاطبه بصفة شخصية و في وقته أيضاً فيقول له الحق I إنا (أعطيناك) و لم يقل (أتيناك) .. فالمفهوم العام لـ (آتى) هو العطاء المعنوي فقط عكس (أعطى) للعطاء المادي:

        {.. رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} لكهف : 10

        {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا …} إبراهيم : 34

        {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ..} آل عمران : 79

لكن (أعطى) هي العلاقة بما هو مادي و تلمسه في الحياة الدنيا و في الآخرة :

        {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} التوبة : 58

        {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} الإسراء : 20

الْكَوْثَرَ .. الكلمة (ك ث ر) منها الكثير، فالله I أعطى سيدنا محمد r كل ما يحتاج و زيادة، و أيّ شي يحتاجه .. فقد أعطاه الله I خُمس الغنائم .. {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الأنفال : 41 .. و في الفيء الخمس يُخرج منه على اليتامى و المساكين و ابن السبيل {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر : 7 .. و لقد كان لرسول الله r مصدر دخل كثيـر يعول به عائلته .. فوجدك عائلا فأغنى .. و هذا بالذات بعد فتح خيبـر.. فالكوثر هو العطاء المادي الكثير لسيد الخلق عليه الصلاة و السلام .

إلحظ أن في الجنة أنهار مختلفة {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} محمد : 15 .. و الأنهار في الجنة عامة {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء : 69 .. و المتقين جميعاً في جنات و نهر {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} القمر : 54 .

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ : عندما نصلي فنحن ندعو .. و عندما أقول "اللهم ارزقنـي رزقاً حسناً في الحياة الدنيا" فهذا دعاء لي و ليس صلاة، و عندما أقول لصديق "اللهم ارزقه" فأنا دعوت له و لم أصلّ عليه .. فكل صلاة في الفعل دعاء، و ليس كل دعاء صلاة .. و يصبح معنى (صلّ) هنا أدع .. فالرسول r يصلّي لربه و يصلّي لنفسه .. يدعو الله ربه بما فيه مصلحته في الآخرة .. أدع و الله يستجيب لك .. {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} الإسراء : 78 – 81 .. كما أوجب الله عليه تدبر القرآن في الفجر بالذات .. و القيام بالتهجد نافلة .. و يدعو أن يبعثه الله مقاماً محموداً .. و رَبِّ أَدْخِلْنـِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا .. و نتيجة هذا الدعاء .. جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا .. و لسان الحال كما اصطفيتك، عليك أن لا تنام و وجب عليك أن تدعوني استجب.

وَانْحَرْ : في اللغة العربية نقول (نحر العلم) بمعنى أتقنه و أحاطه من كل جوانبه، و لم يترك منه شيئا .. و عندنا كذلك نحر أيْ توجه نحو الشيء فلا يحيد عنه .. فإذا قلت لابنك (انحر المنزل) أيْ توجه له مباشرةً دون أن تحيد عنه بأيّ اتجاه كان .. و اجتماع الكلمتين صلّ و انحر، يقتضي التوجه و القصد بالدعاء لله وحده بإتقان و إخلاص مباشرةً.

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ : الشنأن وردت في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} المائدة : 2 .. المفهوم العام في الشنأن لا علاقة له بالمسجد الحرام .. فشنأن على وزن فعلان و شانئك على وزن فاعلك، و الحروف الأصلية شنأ هي (الشين و النون و الهمزة) فمعنى شنأه في المعجم: الرائد، شنىء – يشنأ ، شنأة 1- شنىء الشيء : أخرجه من عنده. 2- شنىء له حقه أو بحقه : أعطاه إياه .. أي اهتم بشؤونه ..و ما نسميه الآن (الشؤون) .. فبعد صلح الحديبية و عندما فتحت مكة .. صار الرسول r و قومه يديرون شؤون مكة .. فالآية تقول لهم لا تستغلوا هذه الفرصة بعد أن صرتم تديرون شؤون القوم الذين صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا .. فالجرم أن لا تعطيهم حقهم، حيث إن الجُرم يؤدي إلى الظلم.

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ : أيْ إن ما يشغلك من شئون الدنيا هو الأبتر .. و الأبتر يعني لم يعد هناك أثر له .. أيْ ينقطع عن أيّ شيء على ما كان عليه في أوّل الأمر من قبل الرسالة .. لهذا بدأت السورة أن أعطيناك كل ما تريد، فصلّ لربك و أدعو لكي يستجيب لك دعائك .. فقد انقطعت عنك الشئون التي تشغلك من أمور الدنيا لطلب ما تنفق منه على أهلك و متطلبات الحياة.

إلحظ إنّ من القواعد العامة بأنّ الله لا يَعيبُ خَلقِه سواءً كان مؤمناً أو كافراً .. و كذلك إن الله I لا يفرّق بين المؤمن و الكافر من خلقه فكلهم خلقُة .. فالله يرزق المؤمن و الكافر .. فمن يعيب خلق الخَالق شبهه الله ببهيمة الأنعام {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف : 179 .. و الله كذلك لا يرد السبّ .. و كذلك نحن لا نطعن في أخلاق الرسول r إطلاقاً.

و من بعد أن فرّغ الله عز وجل رسوله r من الجانب المادي و أغناه ليتفرّغ للدعاء الخالص .. وجهه للجانب الفكري .. و هو التعريف بالكافرين في السورة التالية.

* * *