تفسير الأخرين

هي 6 آيات مكونة من 27 كلمة فيها 98 حرف .. جاءت الآيات بمفردة عبَدَ و عِبَادة و تعبُّد ليوضح أنها تحمل المعنيين .. الطاعة و المعصية .. و لأجل هذا خُلقنا .. نُطيع بمحض إرادتنا و نعصي بمحض إرادتنا .. قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ..

·      لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ..

أيْ لا أطيع أصنامكم التي تطيعون و لا أنتم تطيعون الله الذي أُطيع ..

·      وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ..

أيْ لا أعصي الله الذي تعصونه و لا أنتم عاصون أصنامكم التي أعصي ..

لكم دين و لي دين و لا إكراه في الدين.

{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} الكافرون : 1 – 6

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ .. افْتِتاحُها بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّهُ كَلامٌ يُرادُ إبْلاغُهُ إلى النّاسِ بِوَجْهٍ خاصٍّ مَنصُوصٍ فِيهِ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ بِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، و إلّا فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِهِ، و لِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ في القُرْآنِ مُفْتَتَحَةٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ في غَيـْرِ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ مِنها ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ الجمعة: ٦ .. و السُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ خَمْسُ سُوَرٍ: قُلْ أُوحِيَ، و سُورَةُ الكافِرُونَ، و سُورَةُ الإخْلاصِ، و المُعَوِّذَتانِ، فالثَّلاثُ الأُوَلُ لِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، و المُعَوِّذَتانِ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ لِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ .. أو تعويذ الآخرين.

لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ : إخْبارٌ عَنْ نَفْسِهِ بِما حَصَلَ مِنها .. و المَعْـنى: لا تَحْصُلُ مِنّـِي عِبادَتِي ما تَعْبُدُونَ في أزْمِنَةٍ في المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ المُضارِعَ يَحْتَمِلُ الحالَ و الِاسْتِقْبالَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ أفادَتِ انْتِفاءَهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ .. و نَفْيُ عِبادَتِهِ آلِهَتَهَمْ في المُسْتَقْبَلِ يُفِيدُ نَفْيَ أنْ يَعْبُدَها في الحالِ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ .. و لِذَلِكَ جاءَ في جانِبِ نَفْيِ عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ بِنَفْيِ (اسْمِ الفاعِلِ) الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الحالِ بِقَوْلِهِ: (و لا أنْتُمْ عابِدُونَ)، أيْ: ما أنْتُمْ بِمُغَيِّـرِينَ إشْراكَكُمُ الآنَ لِأنَّهم عَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يَبْتَدِئُوا هم فَيَعْبُدُوا الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ النَّبـِيءُ ﷺ سَنَةً، و بِهَذا تَعْلَمُ وجْهَ المُخالَفَةِ بَيْنَ نَظْمِ الجُمْلَتَيْنِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ .. و هَذا إخْبارُهُ إيّاهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ فاعِلِينَ ذَلِكَ مِنَ الآنِ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ بِذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ هَذا مِن دَلائِلِ نُبُوءَتِهِ نَظِيـرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ البقرة: ٢٤.

ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ : عُطِفَ عَلى (و لا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ)، عَطْفَ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لِمُناسَبَةِ نَفْيِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، فَأرْدَفَ بِنَفْيِ أنْ يَعْبُدَ هو آلِهَتَهم، و عَطْفُهُ بِالواوِ صارِفٌ عَنْ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ تَأْكِيدَ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ الكافرون: ٢ .. فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ (و لا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ) بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ .. لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ، و يَكُونُ الخَبَـرُ اسْمَ فاعِلٍ دالًّا عَلى زَمانِ الحالِ، فَلَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَعْبُدَ في المُسْتَقْبَلِ ما يَعْبُدُونَهُ بِقَوْلِهِ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .. كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، صَرَّحَ هُنا بِما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الفَحْوى عَلى نَفْيِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم في الحالِ، بِما هو صَرِيحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي مَزِيدَ البَيانِ، فاقْتَضى الِاعْتِمادَ عَلى دَلالَةِ المَنطُوقِ إطْنابًا في الكَلامِ، لِتَأْيِيسِهِمْ مِمّا راوَدُوهُ عَلَيْهِ .. و لِمُقابَلَةِ كَلامِهِمُ المَرْدُودِ بِمِثْلِهِ في إفادَةِ الثَّباتِ. و حَصَلَ مِن ذَلِكَ تَقْرِيرُ المَعْنـى السّابِقِ و تَأْكِيدُهُ، تَبَعًا لِمَدْلُولِ الجُمْلَةِ لا لِمَوْقِعِها؛ لِأنَّ مَوْقِعَها أنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (و لا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ) و لَيْسَ تَوْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ .. بِمُرادِفِها؛ لِأنَّ التَّوْكِيدَ لِلَّفْظِ بِالمُرادِفِ لا يُعْرَفُ إلّا في المُفْرَداتِ و لِأنَّ وُجُودَ الواوِ يُعَيِّنُ أنَّها مَعْطُوفَةٌ، إذْ لَيْسَ في جُمْلَةِ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ واوٌ حَتـّى يَكُونَ الواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدًا لَها .. و لا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالواوِ؛ لِأنَّ الواوَ لا يُفْصَلُ بِها بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ .. و جِيءَ بِالفِعْلِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى رُسُوخِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ مِن أزْمانٍ مَضَتْ، و فِيهِ رَمْزٌ إلى تَنَزُّهِهِ ﷺ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ مِن سالِفِ الزَّمانِ و إلّا لَقالَ: ولا أنا عابِدٌ ما كُنّا نَعْبُدُ.

ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ .. عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ لِبَيانِ تَمامِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِهِمْ و حالِهِ و إخْبارٌ بِأنَّهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ إخْبارًا ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنَّهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، و تَقْوِيَةً لِدَلالَةِ هَذَيْنِ الإخْبارُ عَنْ نُبُوءَتِهِ ﷺ فَقَدْ أخْبـَرَ عَنْهم بِذَلِكَ، و قَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِمِثْلِ نَظِيرَتِها السّابِقَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ .. تَوْكِيدًا لِلْمَعْنـى الأصْلِيِّ مِنها، و لَيْسَ مَوْقِعُها مَوْقِعَ التَّوْكِيدِ لِوُجُودِ واوِ العَطْفِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ .. و لِذَلِكَ فالواوُ في قَوْلِهِ هُنا (ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ) عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ لِأجْلِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ مِنَ المُناسَبَةِ .. و يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ) تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرَتِها السّابِقَةِ بِتَمامِها بِما فِيها مِن واوِ العَطْفِ في نَظِيرَتِها السّابِقَةِ و تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّأْكِيدِ و المُؤَكَّدِ، و المَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ تَحْقِيقُ تَكْذِيبِهِمْ في عَرْضِهِمْ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ .

لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ .. تَذْيِيلٌ و فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ بِما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيداتِ، و قُدِّمَ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ المُسْنَدُ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ لِيُفِيدَ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيْ: دِينُكم مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ بِأنَّهُ لَكم لا يَتَجاوَزُكم إلى الكَوْنِ لِي، و دِينـِي مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ بِأنَّهُ لا يَتَجاوَزُنِي إلى كَوْنِهِ لَكم، أيْ: لِأنَّهم مُحَقَّقٌ عَدَمُ إسْلامِهِمْ .. فالقَصْرُ قَصْرُ إفْرادٍ، و اللّامُ في المَوْضِعَيْنِ لِشِبْهِ المِلْكِ و هو الِاخْتِصاصُ أوِ الِاسْتِحْقاقُ .. و الدِّينُ: العَقِيدَةُ و المِلَّةُ، و هو مَعْلُوماتٌ و عَقائِدُ يَعْتَقِدُها المَرْءُ فَتَجْرِي أعْمالُهُ عَلى مُقْتَضاها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ دِينًا؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الدِّينِ المُعامَلَةُ و الجَزاءُ.

و بعد الموقف الواضح و الصريح من كل الكافرين (مسلم و غير مسلم) .. في الطاعة و المعصية .. سيأتي النصر من الله.

* * *