112 – سورة الإخلاص

سورة الإخلاص مكونة من 4 آيات بـ 15 كلمة فقط من 47 حرف و ترتيبها 113 .. تكرر فيها حرف (الدال) 4 مرات و الذي وزنه في حساب الجُمّل 4 ..

الحروف المفردة 4 و هي : (ق1) ،(ص1) ،(ن1) ،(ف1)

الحروف المكررة 9 و هي: (ل 12) ، (ا6) ، (و5) ، (د5) ، (هـ4) ، (م4) ، (ي3) ، (ح2) ، (ك2)

إن أول كلمة في السورة هي (قل) و عدد تكرار الحرفين (ق & ل) هي 1 و 12 و تركيبهما يعطي : 112 رقم السورة.

إن التعرف إلى الله و تدبر آياته و عبادته .. ستوصلنا لقمة العلم و الوعي و الاستخلاف و التزكية و النجاة .. و معرفة الله تتم بالوصول إليه و عبادته حق العبادة .. و أن تكون عبادتنا و علاقتنا بالله خالصةً و نقية من الشوائب .. مثل لبناً خالصاً أبيض ليس فيه أيّ فراغات سوداء أو لون آخر يشوبه .. كما وصف القرآن الكريم اللبن خالصاً .. إن سورة الإخلاص من السور المختصة في التحدث عن الله وحده فقط .. و سمّيت بهذا الاسم لأنها تتحدث خالصةً عن الله.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} الإخلاص : 1 – 4

تبدأ السورة بتقرير (قل) .. و استخدمت في البداية صفتين من صفات الله (أحد) و (الصمد) .. و الله يعرّف لنا ذاته بـ (الله الصمد) .. و ورد في السورة إثباتين (هو الله أحد – الله الصمد) و ثلاث منفيات (لم يلد – و لم يولد – و لم يكن له كفوا أحد). في هذه السورة يُعلمنا الله I عن نفسه من زاوية نستطيع أن نتعرف عليه و أن نطبّق الإخلاص له، فلا أحد يعلم عنه مثلما يعلم هو عن ذاته العلية I .. فإذا تعرفنا على الله حق المعرفة ستكون عبادتنا خالصةً له .. فلا يُصبح لهذا الإله كُفء أو ندّ أو شريك .. لذلك لا نستطيع أن نصل لمرتبة الإخلاص حـتى نعرف الله I بقدر من المعرفة تصل لها طاقتنا القصوى و العليا .. حتـى نصبح من المُخلِصِين المُخلَصَين.

قُلْ : بدأت هذه السورة بأمر.. فهـي سورة عمليّة في قمة العِلم .. (قُلْ) أيْ تنبأ، توقع، أبْصر…إلخ، أنّ كل شيء خلفه الله الأحد .. قُلْ لأفكارك (اللَّهُ) .. قل لمشاعرك (اللَّهُ أَحَدٌ) قل لخلاياك و ذرات جسمك (اللَّهُ أَحَدٌ).

اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ .. و حين تقرأها .. تفهم أنّ معـنى الصمد هو الحق I .. ليس فرعٌ من أصل و لا أصلٌ لفرع .. و هو صمد بذاته العلية I .. فكل العالم مبنـي على (والدٍ و ما ولد) .. و التعلّق بـ (اللَّهُ الصَّمَدُ) أن نجعل أفكارنا و مشاعرنا و حياتنا و نعمتنا و صحتنا أصلية.

هُوَ : عبارة عن بداية الإجابة عن سؤال .. و إحالة السؤال إلى نقطة مركزية .. (هُوَ) كلمة فيها تفريغ للهواء من الرئة بالزفير.

(الواحد) من لم يعبد الله الواحد فقد أشرك .. {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} الزمر : 4 .. الواحد أيْ الذي لا ثاني له .. واحدٌ يعنـي لا يتجزأ فيكون آلهةً للشمس و آلهةً للطبيعة و آلهةً للموت و آلهةً للإنسان و آلهةً للحيوان .. فالواحد يعـني لا يتجزأ و لا ينفصل عن ذاته.

أَحَدٌ : من لم يعبدا لله الأحد فلم يُخلِص .. و هذا الفظ ورد مرةً واحدةً في القرآن ، و يعنـي التميـز .. و هذه صفة تناسب عبادة الإخلاص .. و تعني الوحيد الذي لا مثيل أو نظير أو كفء له، الفريد المتفرد.

اللَّهُ الصَّمَدُ : (الصَّمَدُ) وردت مرةً واحدة، بينما لفظ الجلالة (اللَّهُ) ورد 2864 مرّة .. و كأنك تضع الكون من أعلى نقطة إلى أعمق نقطة .. بهاتين الكلمتين ننظر للخلق مُلك (الصَّمَدُ) .. و من اجتماع الكلمتين يعرّف لنا القرآن الكريم أكثـر كلمة و ردت في القرآن بأندر كلمة .. و يمكن تفسير (الصمد) بثلاث نقاط .. كالتالي :

أولاً : الأصل .. كل شيء في الكون ظاهر و باطن، حتـى المعلومات و الأفكار نتيجة شيءٍ ما قبلها .. و الله I موجود قبل الخلق .. فهو الحق الأصل و ما سواه خلق من بعد خلق {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} الزمر : 6 .. و بالتالي تتعرض تلك النُسخ لعالم المتناقضات و الهلاك .. و أيّ نسخة غيـر الأصل تزول و تهلك و الله هو الأصل الوحيد الذي لا يزول .. فكلمة الصمد فيها حرف الصاد للدلالة على الأصل .. فالصمد فيه الإخلاص، الأصل، و المصير و هو نهاية الأشياء .. و كلها فيها حرف الصاد .. فلا أصل قبل الله و له المصير فلا شيء بعده.

ثانياً : التأثُر .. جميع الخلق قابل للتأثُر .. و الصَّمَدُ لا يمكن التأثير عليه أو إزالته أو نسخه .. فعلى سبيل المثال أيّ نسخة (مخلوق) تأتي من معلومات تجد معلومات أعلى منها يمكن أن تؤثر عليها .. لكن هناك معلومات أصلية يمكن أن تؤثر عليها المعلومة المنسوخة، و بالتالي كل النسخ قابلة للزوال ما عدا الصَّمَدُ .. لهذا الصمد لفظة نادرة بحد ذاتها.

ثالثاً : ليس له جوف .. أيْ ليس لديه فراغ .. {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} الرحمن : 31 .. اسم الصمد له ثلاث أبعاد .. في المعنـى المادي هو المصمت .. لكن في المعنـى الحسيّ الذي لا يوجد فيه فراغ .. حيث إنّ الفراغ هو منشأ الاحتياج .. فالفراغ الداخلي في الأمعاء ينشأ عنه الاحتياج للطعام .. فالإنسان لديه فراغات كثيـرة و منها تظهر الشهوات و بالتالي يتأثر بالمحيط .. و هذا يجعله في النهاية عُرضةً للإزالة .. لكن الله I صمديّ أيْ لا فراغ لديه .. علمه، سلطته، سلطانه، بطشه نافذ في هذا الكون كله .. سِعة عِلمه و رحمته نافذةً في هذا الكون كله .. لهذا فإن خلق الكون بصفته الصَّمَدُ لا تبقي أيّ نقطة فراغ لا تصل لها سلطته I .. و هذا بعيداً عن التجسيد .. فمن مقتضيات القرآن أنّه لا يوجد فراغ عند ربنا .. و بالتالي يستحيل التأثير عليه، لأن التأثير ينشأ دائماً من زاوية الفراغ، و كلما قلّت الفراغات تقل نسبة التأثير على الكائن و العكس صحيح.

من أفعال (الصَّمَدُ) .. فتق / ألهم / أتقن/ يكلؤكم / نتق / فهّم .. هذه الأفعال أصلية (صمدية) لا يقدر عليها إلا الله :

1.    {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء:30 ..

2.      {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} الشمس : 8 ..

3.    {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} النمل : 88 ..

4.      {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} الأنبياء : 42 ..

5.    {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الأعراف : 171

6.{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء : 79 .. فلا يستطيع الإنسان أن يفهّم الجماد مثل الروبوتات فهذا فعل خاص بالله.

و هناك أفعال الألوهية و الـتي أتاح لمن خلقهم من البشر أن يفعلوا مثلها .. نخلق / نرزق / نريد / نأمر / نسمع / نبصر .. {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} الصافات : 125 .. الألوهية {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} الفجر : 8 و لهذه الصفة انعكاسات كثيـرة في حياتنا .. ففي أعمالنا و شغلنا و أفكارنا و حركاتنا .. نرجع للأصل .. لهذا في الغذاء علينا أن نبحث عن المواد العضوية لأنها أصلية .. نحافظ على الأصول في أجسادنا .. فما نملكه من أعضاء من وقت الوالدة إلى الآن هي النسخة الأصلية .. و إنّ العمل بإتقان هو وسيلة للاقتـراب من صفة الصمد .. أيْ نلبس لبس أصلي / و نعمل شغل و دراسة أصلية / و نستخدم نسخ البرامج الأصلية .. فكل هذا و غيره يجعلنا نتقرّب إلى الصمدية. و لنفهم الحياة بشكلها الصحيح نعلّق أفكارنا بالصمد و نفسّر من خلاله الأشياء .. فلن نُخطئ في هذا التفسير .. و سنجد من الأفعال الصمدية في الجسد .. ما هي ليس لنا عليها سيطرة مثل القشعريرة و الهداية و التبسم:

1.    {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} ..

2.      {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ..

3.    {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} .. وردت مرة واحدة في القران.

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ .. الجزء الأخيـر من السورة فيه ثلاث منفيات .. بينما في القرآن الكريم عشر منفيات توصلنا لعقيدة متينة صحيحة خالصة، هذه المنفيات هي:

1.      {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} محمد : 19

2.      {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} الإخلاص : 3

3.      {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} الإخلاص : 3

4.      {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} الإخلاص : 4

5.    {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الإسراء : 111

6.    {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الإسراء : 111

7.    {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الإسراء : 111

8.    {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الأنعام : 101

9.    {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} المؤمنون : 91

10.   {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} المؤمنون : 91

و هذه الآيات تختلف عن بعضها البعض .. و لكل آية معايير و شروط دقيقة.

أولاً : لَمْ يَلِدْ .. إن أدوات النفي ثلاثة (لم/ لا / لن) و ردت في (لَمْ يَلِدْ) (لا إله إلا الله) (لن تراني) .. إلحظ لم (لام و ميم)، لا (لام و ألف)، لن (لام و نون) .. اللام مشتركة في الثلاثة، فينحصر الفرق في دلالة الميم و الألف و النون .. إنّ (لم) لها قوة في عالم المكان و الزمان و الخلق و الملكوت و الملك من الملائكة و الخلق .. وهذا مقتضى لَمْ يَلِدْ .. بينما نسب البعض الأبن لله :

1.    {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة : 30

2.    {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة : 30

3.    {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} المائدة : 18

ثانياً: وَلَمْ يُولَدْ .. الإنسان يريد أن يساوي بين الخلق و الخالق في التكاثر .. لكن الخالق I هو الذي خلق الخلق و هو صمد .. فإذا أراد الله شيئاً فإنما له الأمر .. و ملكوت الله هي تنفيذ أمر من أوامره، و إرادة ًمن إراداته I .. إنما أمرهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له “كن” فيكون .. إذاً هناك أمر الله و إرادة الله .. فالكون كله مصدره أراد و أمر .. و لا يصح أن نقول إن مصدر الخلق هو العدم و لا الله نفسه (صرفاً عن مبدأ الحلولية و التجزئة) .. لأنه I لم يلد .. و لم يولد فنحن من أمره و إرادته .. و الإنسان ولد من أب و أم فلا يكون الأصل هو الفرع .. فالصمد هو الأصل الذي لا يمكن أن يطلع منه أصلٌ جديد أو فرع، و لا هو من أصل سابق فيكون فرع .. بالتالي ورد بعد اسم الصمد .. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ .. كما لا يمكن وصف الخالق بأنه طاقة متولدة من كنـز كما تصفه ثقافات مختلفة أنّه يولد من مصدر.

ثالثاً: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ .. (لَمْ) هي عن استحالة تحقق الشيء في عالم الخلق و الملك .. بسبب وجود الميم و الـتي لها قوة في عالم الزمان و المكان و الخلق و الملكوت و الملك من ملائكة و خلق .. من أوّل عالم الملك بكل المخلوقات الموجودة فيه، من أعلاهم لأدناهم من الملأ الأعلى إلى أسفل سافلين .. (يَكُنْ) فعل مضارع يعني أعلى من الزمن الماضي أو المضارع أو المستقبل.

في القرآن ثلاث أوصاف نفاها الله عنه و هي الكُفُو و الندّ و الشريك :

1.      {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} الإخلاص : 4 لا يمكن لأحد أن يجعل لله كفء .. كفء أيْ يعمل عمل ضِد إرادة الله.

2.    {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ …} البقرة : 165 .. لا ندّ أيْ من أحبّ ندّ كحبه لله و جعل له صفة الندّية.

3.    {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} الفرقان:2 .. هناك من كسر القاعدة و جعل له شريك.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} البقرة : 258 .. فطلب إبراهيم u في المناظرة مع النمرود أن يُشرق الشمس من المغرب، فبهت الذي كفر .. لأن شروق الشمس و غروبها فعل صمديّ، لا يمكن لأحد أن يفعل هذا الفعل إلّا الأصل صاحب الملك .. فلا يوجد كُفُواً مضاد لله الصمد و فعله .. و في القرآن {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} الفتح : 24 .. و كَفّيْت عن عمل الشيء أوقفته، يعـني عملت ضدّاً له و منعته من الشيء .. و من أمثلة الأفعال الصمدية التي لا يقاومها مخلوق :

1.    {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} آل عمران : 160

2.    {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} يونس : 107

3.    {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيـْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} يونس : 107

4.      {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} غافر : 33

5.      {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} يس : 43

6.      {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} محمد : 13

و مع الإيمان الكامل و المطلق بنصر الله لنا و حمايتنا من مشعلي الفتن .. إلّا أنه وجب علينا أن نستعيذ به عز و جل ليلاً و نهاراً من شرّ ما لا نبصره و هو معنا من كائنات دقيقة .. و من شرّ ما نبصره و هو أقوى منّا و في صدور الناس.