114 – سورة الناس

سورة الناس تتكون من 6 آيات فيها 20 كلمة مبنية من 80 حرف .. و ترتيبها 114 .. تكررت فيها كلمة الناس 5 مرات .. و لحروف كلمة (الناس) التكرار التالي : حرف الألف تكرر 18 مرة، حرف اللام 12 مرة، حرف النون 9 مرات، حرف السين 10 مرات .. و عدد هذه الحروف مجتمعة هو :

18 + 12 + 9 + 10 = 49 = 7 × 7  (هو عدد رمي الجمار على الشاخص في منى)

سورة الناس ختم بها الله I القرآن الكريم .. فالناس أخطر و أقرب ما يكونون للإنسان ..حيث يمكن تدمير ناس عن طريق ناس آخرين .. و الناس هم أداة الضغط و هم الضغط نفسه و هم أداة التنفيذ الباطن .. فإبليس ليس أخطر من الناس .. فالمؤامرات و الأحداث و الاضطرابات العالمية .. تجعلنا نبحث ماذا قال الله I  لنا عن خطورة الناس و كيف نحمي أنفسنا منهم و لا ننسى أننا نحن ناس كذلك !!.

{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} الناس: 1- 6

إن سورة الناس مقسّمة إلى 4 محاور بناءً على عدد الكلمات 2 – 3 – 3 – 2

الأول

الثاني

الثالث

الرابع

أعوذ

برب الناس

الوسواس

مِن الجنة

من شر

ملك الناس

الخناس

و الناس

 

إله الناس

الذي يوسوس في صدور الناس

 

المحور الأول (أعوذ بك – من شر) هو طلب الحماية .. و المحور الأخيـر (مِن الجِنّة – و الناس) و هو الضرر .. و المحور الثاني (رب الناس – ملك الناس – إله الناس)  .. يقابله المحور الثالث (الوسواس -الخناس – الذي يوسوس في صدور الناس).

في معتـرك الحياة يَدْفع الله I الناس بعضهم ببعض .. {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} .. و قد يحتاج الإنسان في هذا المعتـرك إلى تصعيد الأمور من مستوى إلى مستوى أعلى .. فالله I هو الإله الحق الملك الرّب .. إليه يرجع الأمر كُلّه .. و نستعيذ به من جميع شرور الناس على مستوياتهم المختلفة .. و من هم يؤثرون فينا إمّا مباشرة أو عن طريق المستويات المختلفة .. و بالذات من هم في الصّدارة في المستوى الأعلى .. في الجدول التالي تتضح لك هذه المستويات الثلاثة و طريقة التصعيد من مستوى إلى آخر.

المستوى

الحاكم

الناس

يطلب الحفاظ على

الأول

رب الناس

الطبقة العامل في التحويل من الشيء إلى ضده.

وجوده / استقراره / رزقه / عزته

الثاني

ملك الناس

الطبقة المالكة و أرباب العمل.

ممتلكاته / أرحامه / قدرته على تحريك الأشياء

الثالث

إله الناس

الطبقة المنظمة و الحاكمة.

سلطته / صلاحيته / مكانته

هناك أربع قواعد مهمة يجب أن نعرفها عن الناس :

1.     الناس كلمة تُعبّـر عن مجموعة و إجماع .. و إجماع الناس فيه خطورة سواءً كان على الخيـر أو على الشر.

2.      موافقة الناس على شيء بنسبة 100% مستحيلة.

3.     معارضة الناس للشيء حتمية.

4.     الضرر الشديد يأتي من الناس المحيطين بنا، فيكون الخطر الداخلي من الجماعة هو الأكبر.

لم يُجمع الناس أو يُوافقون أو يُعارضون على شيء بنسبة 100% .. حيث إن إجماعهم و معارضتهم يبقى له نسبة .. فلو أجمع الناس على حاجة فـهي تفرِض وجودها .. و لو أجمعت على زوال أمر معيّن فهذا سيمثل خطورة .. كما لو أجمعت على شيء أن يوجد .. فإجماعهم إمّا يوجِد مفسدة كبيـرة أو يُزيل شيء من الوجود .. و هذا من أقوى الأسلحة، و بالمقابل لا بد التدافع و أن تجد في الناس تعارض .. و أشدّ المعارضة ضرر إذا كانت من الداخل.

اعلم أن من ذرية إبليس من يطّلع على نفوسنا .. إلّا أنّه لا توجد سورة في القرآن الكريم باسم “إبليس” و لكن توجد سورة باسم “الناس” لأنهم الأخطر .. و إذا رغب الشيطان أن يَضرّك أو يؤذيك سيكون عن طريق الناس من حولك، فالخطورة تكون من الناس و إلى الناس و هذا هو قانون التدافع .. من قراءة حروف الكلمات نستقي المعنى العميق .. لهذا فكلمة(رب) فيها :

ر . ب

الراء

ترتّب الحركة و انتظامها بتكرار معين.

الباء

انبثاق الحركة من مكمنها بقوة بعيداً عن المركز.

 

 

الراء تكرار للحركة و هو الآن منفتح على حركات الطبيعة كلها، فلنـراه يقوم باستعراضها جميعاً .. الباء انبثاق الحركة، إذاً فهو يأخذ من جميع الحركات الممكنة التـي كرّرها الراء .. تظهر الحركة العامة الاهتمام و المتابعة للجزئيات و التفاصيل بحيث لا تفلت حركة حتـى تنبثق منها أخرى، ربّ الأسرة يحاول مثل ذلك بحدود حركاته الخاصة المحيطة به.. بيد أنّ الربّ الحقيقي هو الذي يحيط بالحركات كلّها .. لذلك ارتبطت معرفة التفاصيل و الجزئيات و السيطرة عليها بالربوبية بصفة خاصة: {.. وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} يونس : 61 {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ : 3 {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} طه : 50، لاحظ دقة متابعة التفاصيل، بدل (خَلَقَ) كلّ شيء، و هي العملية المرتبطة بصفة الألوهية، لأنّ إعطاء الخلق و الهدى هي سلسلة من الحركات المتلاحقة بعضها من بعض، أمّا الخلق فهو عملية منفصلة.

 (ربّ) كلمة تدل على تحويل الشيء لضده .. فإذا كان هناك شخص ضال و عرف طريق الهداية، فالانتقال من الشيء للضد هو عمل الربّ .. و الانتقال هو حدث ربوبية و رباني، (ربّ) الراء و الباء ككلمة (أب) الألف و الباء .. فالأب يعمل مع طفله، يعمل على أن يعدّل عن الطفل العشوائية إلى الضد .. فهو يعكس للطفل هذه العشوائية ليصبح هادئ و مستقرّ .. فتحويل الإنسان من الخطر إلى الاستقرار هذا من معاني (ربّ).

حاجات الناس تنقسم إلى ثلاث مستويات يتم التصعيد من مستوى إلى مستوى أعلى .. جزء كبيـر من الناس موجودين في مستوى (ربّ الناس) و الجزء الثاني موجود في مستوى (ملِك الناس) و جزء صغير موجود في مستوى (إله الناس):

·         المستوى الأول : بِرَبِّ النَّاسِ .. هناك حاجة و ضدها، مثلاً الفلاّح يعمل في أرضه ليخرج منها ثمرة فيحوّل الأرض البور إلى أرض زراعية (ضدّها) .. و كذلك العامل في المصنع، و المزارع في المزرعة، هم في المستوى الأول .. و هم لا يملكون لا المصنع و لا المزرعة .. و هكذا من يعمل في بناء المصانع و المساكن .. هذا يعنـي أن هؤلاء الناس يعملون في تحويل الأشياء لعكسها، و هم أكثـر الناس في المجتمع، و هذه أقرب منطقة يتم فيها التدافع و التهديد .. فهم بحاجة إلى (رب الناس) .. فهو مستوى وجودك و أكل عيشك، و في هذه المنطقة الخاصة بك حاجة ضرورية و هي البقاء التي ضدها الموت.

·         المستوى الثاني : مَلِكِ النَّاسِ .. و هي من المُلك .. معتمدةً على الناس .. فممتلكاتك و علاقاتك و المسافات الـتي بينك و بين غـيرك تقع في مستوى (مُلْك الناس) .. ففي هذا المستوى تجد من المجتمع أصحاب المصانع و المزارع و الأراضي و المحلات و الأسواق و الممولين و التجار و المستثمرين فهم يمْلِكون شغل من هم في مستوى  (رب الناس)  فنسمّيهم (أرباب العمل)  .. و ربنا I هو مَلِك المَالِكين و ربّ الأرباب.

·         المستوى الثالث : إِلَهِ النَّاسِ .. أعلى سلطة .. فالمالكين في المستوى الثاني و هم تحت سلطة الحاكم فلا يملكون التسويق و التجارة إلّا من خلال من هم في المستوى الثالث .. فقولك .. أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس .. أنت وصلت إلى أعلى سلطة مُطلقة على العمال و الفلاحين و المالكين و المستثمرين و رجال الأعمال و الوزراء و المسؤولين و الرؤساء و الحكام بالتدريج إلى (إِلَهِ النَّاسِ).

كلمة (الناس) وردت بغزارة في هذه السورة .. ضع المستويات الثلاثة عل محيط دائرة لتكتشف كيف يؤثر بعضهم في بعض .. حيث تزداد القوة في الحركة حينما يتم تصعيد الموضوع من رب الناس إلى ملك الناس ثم إله الناس .. حينما ترى شَعْب و عمال و فلاحين يُجمِعون على شيء أو يقررون شيءٌ معيّن فهم تحت مظلة (رَبِّ النَّاسِ) .. و التصعيد للمستوى الثاني أصحاب المصالح و الأراضي و من هم تحت مظلة (مَلِكِ النَّاسِ) و هم يصعدّون إلى المستوى الأعلى .. إلى صاحب السلطة في البلد أو في المكان و من هم تحت مظلة (إِلَهِ النَّاسِ) .. و هذا معناه أن هذه السورة يقرأها العامل البسيط و المُلاك و التاجر و كذلك رئيس الدولة.

ربنا I جعل الناس كُتلة واحدة يؤثر بعضهم ببعض و بالتالي إذا قلت .. أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ .. فأنت تفوّض الرّب الملك الإله في أن يحميك من خطر أيّ أحدٍ فيهم .. فأنت محتاج الدرع الاجتماعي البشري .. و هذا الدرع البشري يحكمه ربّ و ملك و إله الناس الأصلي .. فيحبط كل عمل و تصرف ضدّك .. بينما نحن نستعيذ بالله من الشيطان بقولنا {أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .. و هنا سورة الناس للاستعاذة {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} :

        {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } فالوسواس دافع نفسي.

        {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ..} ففِعل الشيطانِ وسوسةً أيضاً.

·     الْوَسْوَاسِ: كلمة مكونّة من مقطع مكرر، (السين) حرف الطاقة و المشاعر و (الواو) حرف جامع .. و هذا يعـني أنّه أيّ شعور تُحسّه و يجتمع فيك في أيّ موقف .. فما توسوس به نفسه يعنـي ما تشعر و تحسّ به من مشاعر .. فالشيطان يوسوس أيْ يجعلك تحسّ بحب، أو بكُره، أو بغِل، أو بحَسد .. فهناك منظومة مشاعر اسمها الوسواس و هي موجودة داخل النفس، و يساعد الشيطان في نماء تلك لمنظومة.

·     الْخَنَّاسِ : المشاعر و الأحاسيس الإنسانية و النفسية الخفيّة .. فمثلاً تمنـّي زوال نعمة عن شخص هو شعور خفيّ .. فشعور الحسد و البغضاء باطني خفيّ اسمه الوسواس الخنّاس .. و هو الذي يخرِج لك المشاعر الخاطئة .. فأنت تستعيذ بالله من تلك المشاعر النفسية الإنسانية الخفيّة الـتي ستعمل ضدك بناءً على منظومة المشاعر.

·     الْجِنَّةِوَالنَّاسِ : بما أن (الجَنّة بفتح الجيم) هي كيان ظاهر مغلق دائم الحركة و التغيّـر .. و النمو ظاهر للناس لكن لا نرى حركته، كما في الأدغال أو الغابة أو الحديقة الكبيـرة من الخارج .. فهـي تنمو و تتكاثر و تتحرك دائماً .. و هي مخفيّة لأن ما يجري بداخلها غـير ظاهر لك .. أمّا (الجِنّة بكسر حرف الجيم) فهو لفظ مؤنث معناه منظومات خفيّة غيـر ظاهرة تخرج لك رسائل ضمنية كي تتحرك لهدف ما أو لشيء ما دون أن تشعر، ليتم بها توجيهك و تحريكك .. و هذه الرسائل نسميها أحياناً بالرسائل المموهة (subluminal) و دفع الوسواس الخنّاس و حو مولدها يتم بالاستعاذة بالله.