113 – سورة الفلق

تتكون سورة الفلق من 5آيات فيها 23 كلمة و 71 حرف .. كما أنّ لفظ الجلالة (الله) مكون من الألف ة اللام و الهاء .. و هذه الأحرف تتكرر في كل سور إلا في سورتي العصر و الفلق الـتي لا تحتوي على حرف الهاء .. و هاتين السورتين عدد حروف كل منهما 73 حرف .. لكن في الترتيب الهجائي (أ، ب، ب ، ت ، ث ….) نجد أن أ=1 و ل= 23 و ل (مرة ثانية) = 23 و الهاء = 26 .. ليصبح وزن لفظ الجلالة 73 .. و بهذا يكون لفظ الجلالة واردة ضمنياً في سورة الناس و الفلق. في ترتيب المعوذتين نبدأ من الأقل خطورة إلى الأخطر .. و المخاطر المحيطة بنا نوعين :

1.     أخطار نراها و نتوقع مصدرها، فنحن نحمي أنفسنا منها.. مثل الحريق و الحوادث.

2.   أخطار خفية و غير معروفة المصدر، و قد تأتي في أيّ وقت و من أيّ مكان و نحن لا نعلم .. مثل الفيروسات التي تحمل الأمراض.

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} الفلق: 1- 5

·    الْفَلَقِ : انقسام الشيء الواحد لشيئين متكافئين دون أن يكون للشيء الأول وجود .. مثل خلية الأميبيا في العلوم المادية البيولوجية، حيث تقوم الخلية الأبوية بالانقسام نصفين .. لخليتين متكافئتين .. و اختفاء الخلية الأولى، و في القرآن اسم هذه العملية الْفَلَقِ .. {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ } الأنعام : 95 فأغلب الكون قائم على مبدأ الفلق .. من أكبـر العمليات الكونية الـتي تحدث إلى الذرة الصغيرة .. و من الخلية إلى المجرة الكبيرة.

·    الفجر : الانفجار و التفجيـر .. انشقاق فانبثاق .. و هو خروج شيء من نقيضه يعنـي خروج ضوء النهار من الليل، انفجر الحجر الصلب فخرج منه الماء { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ } البقرة : 74 .. الفجور و الفجر و الانفجار و التفجير خروج شيء من نقيضه و هو ليس انفلاق.

·    قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ : نحن نعوذ و نستعيذ و نحتمـي بخالق الظواهر الكونية المتحكمة في كل شيء من أصغر الأشياء في الذرة و في النواة و في الخلية إلى أكبر الأشياء في المجرة.

·    مِن شَرِّ مَا خَلَقَ : لفظ عام واسع .. و خلْقُ الله I ليس خيـرٌ محض و لا شرّ محض .. و القوانين الكونية محايدة ليست خيـرٌ و لا شر .. فما هو بالنسبة لك خيـر في موقف قد يكون لك شر في موقف آخر .. على سبيل المثال:

     النار لا هي خيـر و لا شر محض .. هي مخلوق من مخلوقات الله I و هي حيادية، يمكن تطيّب بها الأكل بالطبخ فتكون لنا في هذا الوقت خير .. و يمكن تحرق لنا شيء فتكون شر.

    الماء لا هو خيـر و لا شر محض .. هو مخلوق حيادي، نسقي منه الزرع و ينبت و نأكله فهذا خير، لكن الإنسان يغرق في الماء فيكون له شرّ.

في هذه المواقف نحن نفوّض و نستعين بالله أن يؤتينا خيـر ما خَلَق و يحمينا من شر ما خلق، لأن كل شيء من المخلوقات له زوجين خيـر و شر .. {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .. فنستعيذ من الزوج (الصنف) السلبي للمخلوقات.

·      وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ : غسق و غاسق و غسّاق :

1.{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ} الإسراء: 78 (غ س ق) غَسَقِ ليس لها علاقة بالليل و لكن يمكن أن تحدث فيه .. غَسَقَ الشيء يستتر و يتخفّى و يخرج عن نطاق الرؤية و الإدراك .. إذاً غَسَقِ هي عملية اختفاء و تعتيم الأشياء في ظلام الليل.

2.   {هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} ص : 57 الشراب غَسَّاقٌ  أيْ داكن و مختـبئ و مستتر داخله أشياء لا نراها .. فهم يشربون شراب لزج و داكن داخله أشياء لا يرونها لكنها تؤذيهم.

3.     {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} سورة النبأ : 25 كما في السابق.

4.   {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ }.. غَاسِقٍ اسم فاعل .. مثل قتل قاتل و فعل فاعل و غسق غَاسِق .. أيْ الشيء الذي هو بنفسه يختفي و يستتر عن الإدراك و عن التفاعل معه.

·    وَقَبَ : صوت حرف الواو معناه تجميع شيء .. و القاف معناه انتهاء مرحلة الستر و الكمون و الخمول .. و الباء معناه تحوله من الحالة الكامنة إلى حالة النشاط .. فـ (وقب) معناه إذا الشيء الغاسق المستتر المختفي قد توقف عن كمونه و خموله و بدأ ينشط و يظهر أثره، و هذا المعـنى ينطبق على الفيروسات و البكتيريا و الجراثيم و الفطريات الموجودة داخل جسم الإنسان .. فالفيروس داخل الجسم، كامن وسط الخلايا أو كريات الدم، فهو غاسق لا تراه و لا تلاحظه، غَاسِق تخفّى داخل الشيء و لم يظهر تأثيره بعد فهو الذي غسقك بنفسه لهذا هو اسم فاعل .. و مثال على هذا مثل مرض السرطان غاسق و لمّا يبتدئ و يقِب .. أيْ ينشط فيأكل خلايا جسم الإنسان.

·    النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ : النفاثات جمع مؤنث معرّفة بأل، و العُقد مُعرّفة بأل كذلك .. و السورة تتضمن الاستعاذة من أربع شرور .. ثلاثة منها نكِرة {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}
{وَمِن شَرِّ
حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} .. و لمعرفة تأثير المعرفة و النكرة و التذكير و التأنيث على الأسماء في القرآن الكريم و معناها خذ هذه الأمثلة :

      ضربته ضرباً (مفرد مذكّر) .. يدل على جمع ضربة أيْ ضرباً كثيراً.

    كل طالب لم يذاكر راسب (مفرد مذكّر نكرة)…. لهذا في القرآن (المفرد المذكر) معناها تكرار الحدوث.

      ضربته ضربة (مفرد مؤنث) .. الحاجة الفردية الـتي لا تتكرر .. هي مرة واحدة و حالة فردية.

    الحالات المتفوقة في الفصل سنكرمها .. في القرآن (المؤنث المعرّف) معناها محدد و مميـز و لا يتكرر و مثلها النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ .

·    النَّفَّاثَاتِ : مُعرّفة بأل و هي جمع و مؤنثة .. إذاً هي محدّدة و موجودة في كل البشر و موحدّة و لا تتكرر .. لا تتكرر أيْ في كل البشر هي شيء واحد و نفّاثات واحدة .. النفّاثات من نفّث .. و ليس من نَفَثَ الـتي منها نافِث مثل كذب كاذِب .. إنما كذّب كذّاب أفّك أفّاك نفّث نفّاث .. و هو ما يُنفّث و يحفّز العقد على الإفراز الذاتي من داخل الإنسان .. أيْ النفّاثات ليست من خارج الجسد .. و لو كانت خارجية لقال (نفَث) في العقد (مفردة)، لكنها من الداخل لذلك كانت هي معرفة بأل التعريف و مميزة و جمع و مؤنثه كذلك.

·     هناك طريقة لعمل الفيروسات و البكتريا داخل الجسد .. فخط الدفاع الأول عند الإنسان هو الجلد … فلولاه و تراص خلاياه لنفذ من محيطنا الكثيـر من الشوائب إلى داخل أجسامنا … و خط الدفاع الثاني هي كريات الدم البيضاء و التـي يتم تصنيعها في العُقد الليمفاوية .. مثل اللوزتين (و هي الأشهر و تجدها تحت الإبط و أسفل البطن عند بداية الأفخاذ) و مواقع أخرى .. و خط الدفاع الثالث هي الكبد … فعند نفاذ فيـروس أو بكتريا و تجاوز الخط الأول تبدأ المقاومة من كريات الدم البيضاء … و إذا احتدمت المعركة و تغلب الفيـروس على إرساليات العقد اللمفاوية .. فإنه يتوجه إلى مراكزها فتلتهب اللوزتين (مثلاً) .. و تخرج المادة البيضاء و هي ضحايا المعركة من كريات الدم البيضاء .. و إذا سيطر الفيـروس على هذه الموقع أخذ ببناء نفسه داخل عدد من الخلايا و التكاثر عبـر نسخ أشرطة الدنا DNA حتـى ينتشر داخل الجسم .. و هنا يبدأ الخط الثالث بإعلان حالة الطوارئ و رفع درجة حرارة الجسم و العمل بكامل طاقته لتصنيع مضاد حيوي قادر على المقاومة .. و يبادر غالباً بإغلاق جميع منافذ الجسم .. بمنع الأكل و توجيه الطاقات إلى الكبد .. و الاعتماد على المخزون الاستراتيجي للجسم من دهون و بروتينات .. تفادياً لاختـراق جديد .. و أخذ الحيطة و الحذر بتقليل الحركة و قد يضطر الكبد إلى التواصل مع الدماغ و فصل الحواس .. إذا استدعت الحاجة (و هي الغيبوبة) .. هذا كله أوجزَهُ القرآن الكريم في غاسق أيْ شيء غيـر صحي و قذر .. و وقب دخل و اختـرق و ليس له مخرج.

·    الْعُقَدِ : الجسد فيه العُقد، و في القرآن كلمة عُقدة، مثل عقدة النكاح تعنـي تكتل و تجمّع حسّي و موجي يؤدي وظيفة معينة في المجتمع، فالمجتمع عبارة عن عُقدة لكل أسرة .. و كذلك كل شركة عبارة عن عُقدة في المجتمع أيضاً، و في الإنسان عُقد .. هناك حاجة مهمة جدًا و حساسة في تركيبة الإنسان ظاهريًا و هي الغدد الصماء (الغدد الصمّاء هي الغدد الـتي تفرز منتجاتها مباشرة إلى مجرى الدم عِوضاً عن إفرازها عن طريق قنوات، و تتوزع هذه الغدد في كل أنحاء الجسم، إفرازاتها عبارة عن مواد كيميائية و بروتينية تلعب دوراً أساسياً في وظيفة الأعضاء وفي تنظيم التوازن الكيميائي للجسم و تسمى بالهرمونات) و العُقد اللمفاوية (جهاز المناعة : الجهاز اللمفاوي هو جزء من الجهاز المناعي الذي يحمـي الجسم من العَدوى و الأمراض، و يشمل الجهاز اللمفاوي الطحال و غدة التوتة و العُقَد اللمفية و القنوات اللمفية، بالإضافة إلى اللوزتين و الغُدانيات)، فالغدة إذاً عبارة عن كتلة حسية تؤدي وظيفة معينة و هي أكتـر المناطق حساسية و أهمية و خطورة في الجسم .. فأيّ خلل في الغدد يؤثر على الإنسان .. علماً بأن أيّ عضو يمكن معالجته تقريباً، إلا الغدد فأمراضها في الغالب مزمنة و لا تعالج مثل السّكري الناشئ عن فشل إفراز هرمون الأنسولين من غُدة البنكرياس .. إنّ أيّ زيادة أو نقض في إفرازات الهرمونات تتسبب في مشاكل صحية .. و لأن الغدد تعمل بنظام دقيق و متوازن، لهذا فأيّ مشكلة جسدية مزمنة تحصل بسبب غُدة من الغدد.

·    النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ: الإنسان مكوّن مِن جسد و نفس و روح .. الجسد هو آلة التنفيذ لما يحدث في النفس، و النفس هي الحقل الذي يؤثر بالمشاعر و تنقلها من خلال العقل و الفكر و الرغبة و الحب و الكره، إلى الروح .. فالجسد مجرّد آلة تنفّذ لما تمليه عليه الروح و النفس .. فالنفس تنفعل و تغضب و الجسد مجرّد آلة لتنفيذ تلك المشاعر في الناس .. و هناك أماكن و مراكز معينة لتنفيذ و تعزيز ذلك الإحساس النّفسي .. و هذه هي العُقد و الغُدد ..فالغضب في النفس يتسبب في أن يفرِز الجسد هرمون الأدرينالين .. مما يعزز و يؤكد ذلك الانفعال النفسي .. و المحصلة أن الانفعال النفسي يُنشّط و يفرز من أحد العُقد هرمون الأدرينالين .. و بالتالي أيّ انفعال يحصل في النفس هو نفاثات في العقد .. و كل السلوكيات البشرية مثل الغضب، الغِلّ، الكُره و السّعادة .. خيـراً كانت أو شراً .. سببها انفعال في النفس يُعزّز بإفراز من أحد الغُدد الجسدية .. و النتيجة أن أيّ مرض يحصل للإنسان يكون بسبب خلل في هرمونات الجسم في العُقد أو الغُدد.. و يكون نتيجة عدم التحكم في الانفعالات و عدم السيطرة عليها .. و بالتالي أيّ خلل في العُقد يكون من النفّاثات .. انفعال إيجابي أو سلبي، انفعال حسن أو سيء، الجميع مباشرة ينفّذ في الجسم إسقاطاتها على شكل هرمونات تؤكّد و تعزّز ذلك الانفعال أو الشعور .. على سبيل المثال القاتل .. كان عنده انفعال في النفس تُتـرجم على شكل هرمونات من الغُدد و من العُقد، فصدر سلوك القتل .. فلو سيطر على الانفعال النفسي لم يصل لمرحلة الإفرازات. . لهذا ربنا I يلفت انتباهنا أنْ نحافظ على انفعالاتنا، لأنها من يُنشّط و تُنفّث في الغُدد و العُقد، و بالتالي تسبب الأمراض، أو السلوكيات غيـر المحمودة و غيـر الإيجابية .. فقال I التجأوا لي و فوضوني و وكلوني أنْ أحميكم من شرّ النفّاثات في العقد .. و كذلك الفيروسات و البكتريا عندما تختـرق الأنظمة الدفاعية للجسم فإنها تنفّث السموم في العُقد اللمفاوية التي تمثل خط الدفاع الثاني للجسد بعد الجِلد و قبل الكبِد.

·      وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ : الآيات التي ورد بها الحسد في القرآن الكريم :

    { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا } النساء : 54

          { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم } البقرة : 109 إذًا الحسد هو نفسي.

    { سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } الفتح : 15

الحسد ورد خمس مرات، و هو سلوك نفسي معناه أنّ الإنسان يرغب في زوال نِعمة عن الغيـر .. فالحسد هو عمل نفسي يكون من داخل النفس مصدره يكون الشخص الذي أمامنا .. فالمحسود لديه فضْل ليس لدى الحاسد .. فيكون نتيجة الفضل الزائد عندنا ما ليس عنده .. المشكلة في الحاسد إذا حسد و تمـنى زوال النعمة من عندنا، أنّه قد يتحرك و يؤذينا جسديًا و في النطاق المادّي فقط .. إنّما حسده من نفسه لو ظلّ فعليه .. الرؤساء و النجوم و الفنانين و المشاهير لديهم حُسّاد بالملايين، فطالما الحسد نفسي فلن يكون له تأثير .. لكن إذا تحرك و حاول أن يمكر بنا فنحن نستعيذ بربنا من شر الحاسد إذا حسد.

·    قال I {قُلْ} أي أن نقول القول بعد الكلمة (قل)، و كأنّ مقولتنا للجمل عبارة عن تفويضنا لله I و توكيلنا له I أن يحمينا من المخاطر التي نراها و التي لا نراها.